القيادة الإقليمية

ت + ت - الحجم الطبيعي

أصبحت فكرة «القيادة الإقليمية» في الفترة الأخيرة، طموحاً يسعى إليه الجميع تقريباً، حتى إن دولة صغيرة تفتقر إلى الثقل الاستراتيجي في المجالات السكانية والجغرافية والقوة العسكرية، وإلى قدرة الاعتماد على الذات، تهيأ لها أن من الممكن اختطاف دور «القيادة الإقليمية» في المنطقة، وتوظيفه لصالح جهودها لانتزاع دور دولي.

نعرف أن هذه المحاولة لم تتمكن في النهاية من تجاوز العقبات داخل الإقليم، وفشلت في انتزاع القبول الدولي، فانكفأت تتلقى الضربات الموجعة، واحدة بعد أخرى، حتى وصل الأمر إلى اضطرارها إلى إجراء تغيير في هيكلها الأعلى.

وعلينا أن نلاحظ، بالمقابل، أن هناك في التاريخ المعاصر دول كانت تبذل كل جهدها في تجنب دور القائد الإقليمي، وكانت تصر على ممارسة دورها ضمن أطر إقليمية. بل يمكن ملاحظة أن دولة عظمى، مثل الصين، تتجنب لعب الدور الدولي القيادي الذي تستحقه، وتصر على ممارسة دورها القيادي بالواسطة من خلال روسيا. وهنا، علينا أن نتذكر أن القيادة الإقليمية مكلفة إلى درجة لا يتصورها أحد من المتحمسين للقيام بها. وربما علينا أن نتذكر، كذلك، أن مصر عبد الناصر، وعبد الناصر نفسه، راحا ضحية تبعات القيادة الإقليمية.

وفي الواقع، فإن العالم العربي الذي حطم بيده وإرادته الدول القادرة على لعب دور القائد الإقليمي، لن يستطيع أن ينتج قيادة إقليمية يحتاجها، وسيبقى رهين محاولات يتيمة، لن تسفر عن شيء سوى خضات اجتماعية واقتصادية كبيرة.

المشكلة في أن القيادة الدولية تحتاج إلى إقناع الآخرين بقدرتها على تحمل المسؤولية والكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية، لهذا الدور. بينما في القيادة الإقليمية، في بعض الحالات، لا سيما العربية المعاصرة، تتطلب تحمل كلف مالية باهظة ومرهقة، إلى جانب ضرورة إسناد العامل البشري في بقية الدول العربية المحطمة وإدماجه في الاقتصاد، ونحن هنا، بالتالي، نتحدث عن إجراءات من شأنها أن تحدث تغييراً في كامل النسيج الاجتماعي في الدول العربية بلا استثناء، ما ينذر بمواجهات صعبة بين الدولة العربية ومجتمعها.

فكرة «القيادة الإقليمية»، ليست بالضرورة وعداً بنفوذ إقليمي أو دولي، وعلينا أن نتذكر أن هذه الفكرة لا تكون مأمونة في غياب دول قادرة على مساندة الدولة القائدة، أو في ظروف مدمرة تحكم الإقليم.

 

طباعة Email