أولوية استراتيجية

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يستطيع العرب أن يتحملوا كلفة الإبقاء على النظام العالمي الحالي قائمة، ولا يجدر بهم أن يحاولوا؛ إنها باهظة إلى درجة أن الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعتين لا تستطيعان تحملها. ناهيك عن أن نظام القطب الواحد نفسه، بطبيعته، غير قابل للحياة. لذا، فإن المحاولات التي تذهب إلى معالجة الأزمات الدولية المستجدة عبر آلياته، هي عملياً حالة غير واقعية من التشبث بـ«الماضي»، تسقط من حساباتها أن هذه ليست مجرد أزمات محلية، ولكنها مظاهر حادة لأزمة نظام عالمي استنفذ فرص بقائه.

البديل الواقعي هو في النظر نحو المستقبل، الذي تبدو معالمه أكثر وضوحاً، فالجيل السادس من الثورة العلمية التكنولوجية ألغى الأساس الواقعي للاحتفاظ بنظام القطب الواحد، واستبعد إمكانية استعادة نظام القطبية الثنائية، ووضع العالم أمام خيار ثالث، أولى معالمه هي «التعددية القطبية».

وبطبيعة الحال، فإن من يفهم المستقبل أبكر، يمتلك فرصاً أفضل للتواؤم معه. وهنا، يمكننا أن نرى أن الدول التي تتعاطى مع هذا الواقع الجديد، هي عملياً دول صاعدة. بينما حالة التشبث بالماضي لا تفضي إلا إلى الغرق في أزمات جانبية..

بينما العالم يحجز مكانه في المستقبل. وربما يساعد هذا على فهم السياسة الأميركية التي باتت تتحاشى بإصرار الانشغال العسكري بأزمات إقليمية مسلحة، بينما تحولت وزارة خارجيتها إلى خزانة كبيرة للملفات التفاوضية.

وهذا، أيضاً، لأن قوة مثل الولايات المتحدة، تدرك أن الخيارات المطروحة بالغة الدقة والحساسية: الخيار العسكري أو إيجاد البدائل السياسية والدبلوماسية.

في نهاية الأربعينات، لاحظ الزعيم السوفييتي ستالين أن النتيجة الأكبر للحرب العالمية الأولى كانت قيام الثورة البلشفية، وأن الثانية أفضت إلى بروز الاتحاد السوفييتي قوة عظمى، وقادت إلى نشوء المعسكر الاشتراكي؛ فوصل إلى قناعة أن نتيجة الحرب الكونية التالية الحتمية ستكون انهيار المنظومة الرأسمالية نفسها. بالطبع، لم تقع حرب عالمية ثالثة لنتأكد من صحة تقديرات الزعيم السوفييتي، ولكن علينا أن نلاحظ أن عدم قيام تلك الحرب أفضى إلى تجديد الرأسمالية لنفسها، وقاد إلى انهيار الاتحاد السوفييتي!

لا يجدر بالعرب أن يتحملوا كلفة محاولة الحفاظ على النظام العالمي الحالي قائماً، بل أن يعملوا ليكونوا قادرين على تحمل كلفة نشوء نظام عالمي جديد. وهذه أولوية استراتيجية!

 

طباعة Email