"«حلف بغداد» جديد"

ت + ت - الحجم الطبيعي

دفع لجوء روسيا المتكرر إلى الـ «فيتو»، بشأن ملفات معينة في المنطقة، بعض الأطراف إلى التفكير باستمالة موسكو من خلال حزمة إغراءات تجارية مرفوقة بتعهدات تضمن مصالح روسية محددة، إلى جانب التعاون في الملف الأمني بما يتعلق بأنشطة التنظيمات التكفيرية؛ ولكن هذه الجهود المتفائلة انتهت إلى إخفاق متوقع.

سبب ذلك واضح تماماً؛ إذ ترى موسكو أن واشنطن هي الطرف المعني بأي تفاهم تكون هي طرفاً فيه، لأن مطالبها موجه نحو الأميركيين تحديداً؛ ويمكن إجمالها بثلاث قضايا رئيسية، وهي:

- التخلي عن برنامج الدرع الصاروخية، الذي تعده موسكو إخلالاً بموازين القوى، وترى فيه استعادة لبرنامج «حرب النجوم» الشهير.

- وقف تمدد حلف شمال الأطلسي شرقاً، والتراجع عن استراتيجية الاقتراب من الحدود الروسية، في إخلال بالمعادلة الجيوسياسية التقليدية.

- التوقف عن ضم دول سوفييتية سابقة في الجوار الروسي إلى الاتحاد الأوروبي، بما يمثله ذلك من تعزيز للتواجد العسكري الأمني على الحدود الروسية.

ومن الواضح أن هذه المطالب أكبر من أي قضية إقليمية مطروحة؛ ولا يمكن لأي طرف أن يلتزم بها بالنيابة عن واشنطن. بل وتعرف موسكو أن الأميركيين أنفسهم لا يمكنهم تقديم هذه التنازلات.

وترى موسكو أن الاستراتيجية الأميركية بمجالاتها تهدف إلى محاصرة روسيا، وتجريدها من مناطق نفوذها التقليدية، ولهذا، فإن التمدد باتجاه مناطق النفوذ الأميركي، يصبح أولوية روسية. وهنا، يبرز اهتمام موسكو بإيران قوية، متمددة في بغداد، ومتمسكة بعلاقات مع دمشق، وتحتفظ بذراع قوية في لبنان.

واذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن حزب التنمية والعدالة يستنفذ آفاقه في تركيا، فإن ذلك يفتح المجال للحديث عن «حلف بغداد» جديد. ولكنه هذه المرة لن يكون فكرة أميركية، بل وسيلة روسية للاقتراب من مناطق نفوذ الولايات المتحدة بدرجة تثير لدى الأميركيين القلق نفسه الذي يشعر به الروس إزاء اقتراب واشنطن من مناطق النفوذ الروسية.

والحديث يتعلق بإدارة ردع للخلل بالتوازن الجيوسياسي، وما يقلق هنا هو احتمالية الانتقال إلى مرحلة الإيذاء المتبادل، في لحظة ما. وهذا كله حصيلة خطأ استراتيجي أميركي كبير متكرر، وعديد من الأخطاء «التكتيكية» المتراكمة، في التعامل مع روسيا، وفي محاولات فهمها!.

طباعة Email