رقعة شطرنج خطرة

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا بدّ أن متابعين معنيين يرصدون، أولاً بأول، وباهتمام، التحولات الكبيرة الشاملة والجوهرية التي طرأت على الجيش الروسي، بمختلف صنوف قواته وأسلحته. سواء على صعيد قوات الأعماق أو السطح أو البر أو الجو أو الفضاء أو الأسلحة التقليدية والنووية والرقمية والذكية المدججة بالتقنية الليزرية والكهرومغناطيسية بقدراتها التي تناهز مثيلتها النووية؛ ويدركون أن هذه التحديثات التي يكتمل برنامجها نهاية العقد الحالي ستجعل من التحديثات الغربية الشبيهة، بالمقارنة، وعلى أهميتها، مجرد مزاح.

هذه التحولات تتيح اليوم لروسيا إتمام عملية نشر لقواتها في أي بقعة من العالم خلال سبع ساعات فقط، وبحجم قوات يزيد على مثيلتها الأميركية والأوروبية التي تم حشدها لاحتلال العراق، مطلع الألفية الجديدة، عدداً وعديداً.

ويمكن القلق، فعلاً، حينما نتذكر أن الصنوف الجديدة من الأسلحة تُكسب صاحبها تلقائياً نزوعاً إلى تجريبها؛ وأن القيادة السياسية الحالية في روسيا ليست من النوع الذي يتردد في اتخاذ قرار قتالي، متى ما استدعت «الضرورة»؛ وأن معايير «الضرورة» نفسها لم تعد بالنسبة لها معقدة على نحو ما كانت للقيادة السوفيتية. ويمكن القلق..

كذلك، حينما نلاحظ أن «إرادة القتال» الروسية مسنودة اليوم بـ «وطنية» تزداد نواتها صلابة مع كل خطوة عدائية جديدة من الغرب، وأن هذه «الوطنية» لا تقتصر على الروس وحدهم، بل تتحرك بفاعلية بين شعوب الاتحاد السوفييتي السابق، ومجاله الحيوي، ومناطق نفوذه، وفي دول أوروبا الشرقية، التي يعرف المتابعون أن العداء لروسيا فيها..

وبين شعوبها، ليس في الحقيقة إلا سطحاً رقيقاً، تختفي تحته موجات وتيارات جارفة من الشعور بـ«التاريخ المشترك» و«وحدة المصيرة». هذا، في حين تهدد الأزمات العميقة الغرب بالتمزق من الداخل اجتماعياً.

ويمكن القلق، أيضاً، حينما نرى أن موسكو وصلت إلى قناعة أن الحروب بالإنابة، التي سادت العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والغرب، لم تعد السيناريو الوحيد، وأن حجم المصالح والأضرار التي توازن بينها واشنطن، قد تدفعها إلى حرب مباشرة، وفق ما خلصت إليه دراسات في مراكز أبحاث استراتيجية روسية.

لذا، فإن «المزاح» الغربي مع روسيا في أوكرانيا خطر للغاية، لا سيما أن موسكو ترى أن أحداث المنطقة العربية باعتبارها تحريكاً مبرمجاً لبيادق على مربعات رقعة شطرنج خطرة؛ ولهذا، أيضاً، فإنّ من الخطورة عدم إيلاء التفاهم مع موسكو العناية التي يستحقها!.

طباعة Email