الحجر أم البشر؟ هذا كان السؤال المطروح في الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي في أعقاب سقوط مدينة تدمر الاثرية في يد تنظيم "داعش" أخيرا، وكالعادة فقد اتخذ السؤال طابع المبارزة بين أولئك الذين نصبوا أنفسهم من اصحاب القلوب الرحيمة، وبين اولئك الذين تم تصويرهم كفاقدي الاحساس، يبكون الحجر، بينما سكان المدينة في مواجهة خطر جسيم.

وفي السؤال "الحجر أم البشر؟" اشكالية واضحة، ذلك ان السؤال يفيد بأنه إذا ما تم إنقاذ الحجر، فإنه لا بد من التخلي عن البشر. لكن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك. وبمعزل عن المناورات السياسية التي تستغل هذا الشعار، يبقى طرحه مشروعاً في ظل التدمير الجاري للآثار من قبل جيمع الأطراف.

لكن هل المطالبة بالدفاع عن الحجر تعني التخلي عن البشر؟ فالدعوة، في الواقع، قد تكون في الجوهر دعوة للتمسك بالاثنين معا، وقيمة الآثار في نهاية المطاف لا تنفصل عن مبدعيها، فهي انجازهم الحضاري، بل أنها في الواقع أكثر من ذلك بكثير.

والحال أنه فيما ينظر البعض إلى تلك الآثار في إطار قيمتها السلعية، فإن هناك من يعتقد بأن لتلك الاثار ميزة خاصة أخرى تتجاوز العالم المادي. ويكفي هؤلاء التجول في أرجائها أو قراءة كتاب عنها ليشعروا بذلك.

فالقلاع تشي بأنه مهما اشتدت الغزوات فإن مصيرها الى الزوال، والسجون والزنازين تخبر بأنه مهما اشتد الظلم فإن مآله الاندثار، فيما تبوح بعض المدن القديمة بعالم من التسامح والغنى.

ولكم أن تتخيلوا أنفسكم وسط آثار مدينة تدمر، تسرحون بمخيلتكم عبر زمنها الغابر، حتى يتبين لكم أن هناك عالماً من التسامح قد نكون بأمس الحاجة إليه، وربما من يريد طمس التاريخ ورسم اتجاه واحد له لا غير، لا يريد ذلك، وهذه قد تكون صفة كل المتعصبين والمتحجرين عبر التاريخ.

لكن البشر، مع ذلك، يستمرون في الاحتفاء بروحهم الانسانية. وبالنسبة لكثيرين، ستبقى تدمر وملكتها زنوبيا، ماثلتين في المخيلة والذاكرة.