العبور الثاني

ليس من قبيل المبالغة القول إن ما تعيشه مصر هذه الأيام هو بمثابة عبور ثان، يعيد إلى الأذهان أمجاد العبور الأول، الذي استطاعت مصر من خلال تحرير سيناء، والتخلص إلى الأبد من الظلال الكئيبة التي أسدلها عليها الخامس من يونيو 1967.

وبينما تتوالى في مصر الاحتفالات بإنجاز استحقاق الانتخابات الرئاسية، فإن القوى الوطنية تستعد لخوض الانتخابات البرلمانية، التي تتسم بأهمية خاصة، حيث تعد في جوهرها فرزاً للقوى الوطنية التي ستتصدى للعمل السياسي في المرحلة المقبلة، وأولى مهامها وضع القوانين التي تترجم المبادئ الرئيسية للدستور.

ومن منظور الكثيرين، فإن ما يتعين على جموع الشعب المصري أن تواجهه، يتمثل في سلاسل متتابعة من التحديات التي تتعين مواجهتها، انطلاقاً من الإجماع الجماهيري على العودة بمصر إلى مكانتها التي تستحقها، واسترداد قدراتها الإنتاجية يمر عبر المزيد والمزيد من العمل الشاق والدائب.

لقد مرت مصر بعدة عقود كانت بمثابة استمرارية كابوسية من التردي والتراجع، ولا شك في أن تجاوز ركامها السلبي يبدأ بإدراك الأسباب الحقيقية التي وقفت وراءها، والعمل على استئصالها، والتخلص منها بما يقطع الطريق تماماً على عودتها.

هذا التكريس الذي شهدته مصر في تلك العقود لقيم وممارسات سلبية، ينبغي أن ينتهي مرة وللأبد. والقوى التي وقفت وراء هذا التكريس وراكمت المكاسب من ورائه على حساب جماهير من الكادحين، يتعين التصدي لها، وبدء العبور الثاني الذي تخوضه مصر بتجاوز هذا كله.

الأجواء التي تسود مصر الآن هي أجواء طموح إلى التقدم والتطور وتجاوز عثرات العقود الماضية، لكن هذا كله لن يتحقق بحسن النوايا، وإنما بالتسلح بكل قدرات الشعب المصري، لخوض غمار التحديات المقبلة.

ومن المهم في هذا الصدد أن ننوه بضرورة الاستعداد لما ستفرضه الانتخابات البرلمانية، فالكثير من القوى التي تريد أن تقطع طريق العبور الثاني، ستحاول إلقاء كل ثقلها في هذه الانتخابات، فهي بالنسبة لها معركة حياة أو موت، وهي تريد أن تدفع إلى البرلمان الجديد بأكثر عدد ممن يمثلون مصالحها، ويتربصون بمصالح الجماهير العريضة، التي ترغب في غد أفضل تستحقه عن جدارة.

ولهذا، من بين أمور أخرى كثيرة، نتوقع أن نسمع من أرض الكنانة في المرحلة المقبلة هديراً متواصلاً، فيما يسعى أبناؤها إلى إقرار الأمن على أرضهم، والانطلاق في مسارات البناء والتنمية. ولسنا نشك للحظة في أن العواصم العربية لن تقف مما يجري على أرض مصر موقف المتفرج، وإنما ستبادر إلى دعم العبور المصري الثاني، تماماً كما موقفها النبيل في دعم العبور الأول.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات