مصر وخارطة النجاة

ثلاث فقط من خطوات خارطة المستقبل المصرية تم قطعها، وما زال الكثير والأهم، بكل المقاييس، في التاريخ الجديد لأرض الكنانة.

فقد أتت هذه الخارطة كخطة إنقاذ من القوات المسلحة، بعدما أوشكت مصر بثقلها على أخطر انكفاء حضاري في تاريخها، بعد حكم «الإخوان المسلمين» الذين كادوا يودوا حتى بأمنها المائي عبر مشروع السد الإثيوبي.

تعطيل مؤقت للدستور، ورئيس مرحلة انتقالية، ومن ثم انتخابات رئاسية مبكرة حملت عبد الفتاح السيسي إلى الرئاسة، والذي يواجه الآن استحقاقات ما تبقى من الخارطة، لتعود مصر مجدداً إلى موقعها المؤثر والقيادي على الخريطة الإقليمية والعالمية.

على الباب استحقاقات: تشكيل حكومة كفاءات وطنية، لجنة تضم كل الأطياف والخبرات لمراجعة التعديلات الدستورية، تسريع مشروع قانون انتخابات مجلس النواب والإعداد لها، وضع ميثاق شرف إعلامي جديد، اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتمكين ودمج الشباب في مؤسسات الدولة ليكون شريكاً في القرار، وتشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية.

بعد موجة العواطف الجياشة التي سبقت وتخللت الانتخابات الرئاسية المصرية، لا مناص من التروي العقلاني في استشراف ملامح المرحلة المقبلة، فالسيسي استند إلى عاملي قوة في السابق هما: القوات المسلحة وتماسكها ووطنيتها، والثاني والأهم هو الجماهيرية العارمة.

ضمانة استمرار الجماهيرية سياسياً هي البرامج وآليات التنفيذ وترجمة الوعود، لكن مع عدم إغفال القوى العلنية والخفية التي ما زالت تمتلك تأثيراً ليس هيناً على الرأي العام في مصر.

تجلى هذا التأثير إبان الانتخابات، حين تكتلت ثلاث «لوبيات» إن جاز التعبير، هي: حيتان المال، ذئاب الحزب الوطني المنحل، وهوامير الإعلام، وأجمعت على محاولة إبعاد الناخبين عن الصناديق، للحد من جماهيرية الرئيس وخفض نسبة التصويت، لإظهاره بشرعية ليست كافية لكبح هذه اللوبيات مجتمعة، وهو ما بان عبر التركيز الإعلامي على لجان انتخابية معينة، والنفخ في غرامة عدم الاقتراع، رغم أنها موجودة من عهد مبارك.

وكان السيسي واضحاً حد المغامرة في اللقاءات المتلفزة التي سبقت الانتخابات، حيث رفض أي مكان لرجالات الحزب الوطني، وتهميش دور حيتان المال، فضلاً عن التركيز على ميثاق إعلامي جديد ينظم التلاطم الفوضوي الحالي.. كان ذلك أشبه بعش دبابير لم يتردد المشير بحزمه العسكري في نبشه، بدل إبقائه كامناً وخطيراً.

 التحدي الحقيقي أمام السيسي هو النجاح في استكمال بنود خارطة المستقبل، فهي الكفيلة بوضع كل مكون من مكونات الحياة السياسية والاقتصادية في مكانه ومكانته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات