بدأ أبناء جيلي الذين عرفوا تقليدياً بجيل السبعينيين، في الرحيل عن دنيا الناس الفانية، شرعوا يموتون واحداً إثر الآخر، بدأوا «يفلون» كما عبر الشاعر اللبناني الكبير جوزف حرب. وفي البداية بدا الأمر كما لو كان حالات متباعدة، ولكنه ما لبث أن تحول إلى ظاهرة، توقف عندها النقاد بصفة خاصة.
أبناء هذا الجيل ولدوا قبيل أو بعد حرب عام 1948، وأطلوا إلى الحياة العامة بعيد أو قبيل هزيمة عام 1967، واقتحموا الحياة العامة قبيل أو بعيد حرب 1973، ولكنني لم أستطع قط فهم السر في تسميتهم بالسبعينيين، فهم في غالبيتهم العظمى كانوا مجندين طوال عقد السبعينيات، من الناحية العملية، ولم تظهر إسهاماتهم الفكرية والإبداعية إلا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وليس من قبيل الصدفة أن أول إسهام لي في جهود هذا الجيل كتاب «الاغتراب» الذي صدر عام 1980.
هذا الجيل ولد غاضباً، وأول تجليات غضبه تمثلت في تظاهرات محاكمات قادة الطيران في مستهل عام 1968، وهكذا فإنه بينما كان شباب العالم يتظاهرون لإعلان رفضهم للنظم الموروثة عن عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية والمطالبة بعالم جديد، كان أبناء هذا الجيل من العرب يهدرون طاقتهم في مطالب جزئية محدودة، في ظل ظروف بالغة التعقيد.
هذا الغضب كان حتمياً أن يستمر، وأن يصطدم بالعديد من الظواهر العامة، ابتداء من «انفتاح السداح مداح» الذي رفع لواءه أنور السادات، ربما وصولاً إلى اليوم.
لكن مأساة هذا الجيل الحقيقية، في اعتقادي، أنه لم يبلور غضبه قط في رؤية نظرية واضحة، يمكن أن تكون مصدر إلهام لممارساته السياسية، ويكفي أن نتأمل التشتت في التعبير عن الإرادة السياسية لجيل السبعينيات، منذ انطلاق ثورة 25 يناير حتى اليوم.
القدر شاء لي أن ألتقي في الكويت، أخيراً، أحد الأصدقاء من أبناء هذا الجيل، للمرة الأولى بعد فراق دام ربع قرن من الزمان. للوهلة الأولى لم أكد أعرفه، فقد بدا لي حزيناً، صموتاً، شارداً، وقد عهدته ابن نكتة لا يكف عن الضحك، ولا حتى عيناه غائرتان في محجريهما، وقد ظهر جلياً أن الهموم لا تفارقه، وما كنت أعهده كذلك.. ولست أشك في أنني قد بدوت له بالمنظور نفسه.
قال لي إنه يعكف على إصدار طبعة من أعماله الكاملة، لأنه يدرك أنه إن لم يفعل ذلك فلن ترى النور أبداً، وأضاف ضاحكاً أن تلك قد تكون تلويحة وداعه لعالمنا.
عندما أوشكنا على الفراق مجدداً، في نهاية هذا اللقاء الخاطف، أوصاني أن أصدر كتابي «معجم مصطلحات الموت»، حتى لو لم أكن راضياً عنه، لأني إن لم أفعل ذلك فلن يرى النور أبداً.
عانقته مودعاً، وأنا أحدث نفسي بأنني فهمت متأخراً أكثر مما ينبغي، لماذا قال جوزف حرب: «بدي فل».