الذين تابعوا، بحب وتعاطف، جموع الشعب المصري وهي تندفع بالملايين للاستفتاء على دستور مصر ما بعد ثورة 30 يونيو، لا ينبغي لهم أن يبعدوا باهتمامهم، ولو للحظة واحدة، عن المشهد السياسي المصري، لأن المرحلة المقبلة شديدة الأهمية، وستكون حاسمة في تحديد ملامح ما سيجري على أرض مصر، وربما غيرها من أرجاء العالم العربي.
دعنا نلاحظ أولاً، أن الدستور على أهميته البالغة ينبغي أن يترجم في صورة قوانين، تحول المبادئ التي تضمنها إلى مكاسب للقوى الوطنية التي ناضلت من أجله، وتكرس قيم العدل والحرية والكرامة التي ضحى المصريون من أجلها.
وفي هذا الصدد من المهم أن تدرك القوى الوطنية المصرية أن العديد من الخطوات العملاقة لا يزال في انتظارها، فالمراحل التالية من خريطة المستقبل، مروراً بانتخابات الرئاسة ومن ثم الانتخابات البرلمانية، تحتاج إلى حشد كل قدراتها، لأن التحديات التي تواجهها ليس مصدرها جماعة الإخوان المسلمين فحسب، وإنما حشد من القوى المتحالفة معها، التي يصعب التنبؤ بحركتها ورصد ما يمكن أن تقدم عليه.
الكثيرون يتمنون أن يبادر وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي إلى الترشح لخوض انتخابات الرئاسة، لإغلاق الطريق أمام انتخابات تمزق فيها الولاءات بين العديد من المرشحين.
لكن السيسي، في نهاية المطاف، لا يملك حلاً سحرياً لمشكلات تراكمت عبر عقود من الزمن، ومن هنا فإن ترشحه هو جزء من مسيرة يتعين على الشعب المصري الانطلاق فيها ليحقق لقاء مع مستقبل أفضل، لا بد أن يمر بالكثير من العمل والنضال والتضحيات.
أياً كان السيناريو الذي ستمضي فيه هذه الاستحقاقات، التي تشكل ملامح خارطة الطريق المصرية، فإن الخطر الكبير الذي لا بد أن ينتبه له الشعب المصري، ويتجنب مزالقه، هو عدم تكاتف القوى الوطنية في مواجهة التحديات، أو تعرضها للانقسام أو التشرذم بأي حال.
هذا الخطر الذي لا يستهان به، تتضاعف أهميته إذا تأملنا بعدين مهمين، أولهما أن هناك من القوى السياسية ما لا تتردد في إذكاء نيران الانقسامات، وهناك أيضاً من ينظرون إلى الأمر من زاوية تحقيق أكبر قدر من المكاسب، حتى لو كان ذلك على حساب الصالح الوطني المصري في مجمله.
ولهذا كله ينبغي أن تكون كل العيون على مصر، في الأيام القليلة المقبلة، لأن ما سيظهر تحت الأفق هناك سيترك بصمته طويلاً، في العديد من أرجاء العالم العربي، وبشكل أقوى مما يتصوره كثيرون.