عجز مزدوج

لا أغرب من الموقف الفرنسي من اغتيال ياسر عرفات، سوى تفاؤل جون كيري الكبير بقرب التوصل إلى سلام على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي. سهى عرفات أرملة الرئيس الفلسطيني الراحل، أعلنت الأسبوع الماضي أنها ستطعن في صحة التقرير الطبي الفرنسي، الذي برأ ساحة المجرم من دمه بادعاء أنها وفاة طبيعية، وذلك على خلاف التحاليل الطبية السويسرية التي أثبتت وفاته بمادة البولونيوم القاتلة.

الكل يذكر بالطبع شكوى سهى عرفات، وحتى جهات رسمية فلسطينية، من عدم تعاون سلطات مستشفى بيرسي العسكري الفرنسي، حيث قضى الزعيم الفلسطيني نحبه، وها هو التقرير يرتقي بعدم التعاون هذا إلى مستوى أخطر، عبر تطويع الأدلة العلمية الجنائية للرغبات السياسية...

ولا سبب واضحاً للحظة لهذا الموقف الفرنسي، إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن باريس هي عرابة القوة النووية الإسرائيلية ومفاعل ديمونة الذي خرج منه البولونيوم القاتل. في موازاة الحدث هذا، كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري يواصل جولاته المكوكية في فلسطين، ليستثمر الحدث الجلل المتمثل بوفاة الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا..

ويطالب "طرفي النزاع" بالاقتداء به للتعالي على الأحقاد نحو التسامح، مستعيراً مقولة مانديلا: "يبدو المستحيل دائما مستحيلا حتى يتحقق"، ثم يلحق ذلك بمفاجأة لا تحاكيها أفلام الخيال العلمي: "أعتقد أننا أقرب من أي وقت منذ سنوات، من تحقيق السلام والرخاء والأمن الذي يستحقه الجميع في هذه المنطقة ويتوقون إليه". لا أدري إن كان كيري يقود مفاوضات غير تلك الجارية منذ شهر يوليو الماضي (أي منذ خمسة أشهر).

وباقٍ على مهلة التسعة أشهر أربعة فقط، وما تحقق لغاية اللحظة فقط استقالتان للوفد الفلسطيني المفاوض، وإقرار بناء أكثر من 23 ألف وحدة استيطانية في الضفة الغربية والقدس، هذا بالطبع ينضاف إلى تصريحات الوزير الصهيوني المتطرف أفيغدور ليبرمان، الذي أعلن صراحة أنه لا يرى أفقاً للسلام، لا في القريب العاجل ولا البعيد.

لا مبرر أو سبب جلياً لتفاؤل كيري، سوى كلمة واحدة: العجز. نعم، على الإدارة الأميركية أن تعترف بعجزها التام في الشرق الأوسط، وتخبطها الارتجالي حتى في القضايا التي تمس أمنها القومي، من مثل فشل التوصل إلى حل للغز مقتل سفيرها في ليبيا. سوريا أبرز مثال على الفشل الأميركي، قياساً إلى مُثل العم سام وقيمه الإنسانية..

والتخبط السياسي في مصر، مرة بدعم "الإخوان المسلمين"، ومرة بالهجوم على الجماعة، وثالثة الأثافي ما تسرب عن حمل كيري إلى السلطة الفلسطينية "أفكاراً أمنية" تعطي لإسرائيل السيطرة على منطقة الأغوار. فقد الأميركيون حتى مسلمات استراتيجيتهم بحصر الخلاف بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري داخل حدود الولايات المتحدة الأميركية، فباتت السياسة الخارجية رهينة مجريات هذا الخلاف.

عجز أميركي بلبوس التفاؤل، وعجز فرنسي عن جرأة الاعتراف بالذنب النووي الإسرائيلي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات