منذ الدورات الأولى لمعرض الشارقة للكتاب، كنت، ولا أزال، واحداً من كثيرين، يهتمون به أشد الاهتمام، بحيث لا يترددون في تقسيم العام إلى ما قبل المعرض وما بعده، في تجسيد للأهمية الفائقة، التي يعطونها لهذا الحدث الثقافي الكبير.

أسباب ذلك واضحة للغاية، فالمعرض هو النافذة الرحبة التي نطل منها على أحداث إصدارات الكتاب، وهو أيضاً الساحة التي نلتقي عليها مع أصدقاء وزملاء، تنقضي أواخر العام وأوائله لا نلتقي بهم إلا في هذه المناسبة الفريدة، كما أن المعرض أتاح لنا على مر السنين، لقاء أبرز المبدعين الذين شدوا الرحال إليه من شتى أرجاء العالم العربي، ومن خارجه أيضاً، من دون أن ننسى - بالطبع - أن المعرض يتيح لنا لقاء أبرز ناشري العالم العربي والتعاقد معهم على الكتب، تأليفاً وترجمة ومراجعة وتحقيقاً.

منذ البداية الباكرة أيضاً، كنت واحداً من أولئك الذين كتبوا وتحدثوا مع القائمين على المعرض، مشددين على ضرورة ألا يكون المعرض توفيراً للكتب فقط، وإنما هو الساحة الأكثر ملاءمة للفعاليات الثقافية، التي هي روح المعرض، ونسخه، وأفضل ما يعلق في الذاكرة، بعد أن تنقضي أيامه الجميلة مسرعة، فلا يبقى منها إلا عبقها البديع، وشوقنا إلى الدورة المقبلة من المعرض.

اليوم أجد نفسي متوجهاً للقائمين على المعرض برجاء، ألح فيه أشد الإلحاح، وهو أن يبادروا إلى إعادة النظر في الفعاليات التي تواكب المعرض اليوم، التي يزيد عددها في الدورة الحالية على خمسمئة فعالية.

إنني أدعو القائمين على إدارة المعرض، إلى تقليص هذا العدد من الفعاليات إلى النصف، على الأقل، على أن يرتبط ذلك بتطور نوعي كبير في طبيعة هذه الفعاليات، ومحتواها، ومن يشاركون فيها، وذلك من واقع استبيان لرغبات الجمهور، يجري بشكل علمي دقيق، بحيث تحقق رؤية واضحة، لما يريده رواد المعرض وجمهوره.

وبالمقابل فإن هذه الدراسة للفعاليات ينبغي أن تقترن بجهد مكثف، نحو جعل هذه الفعاليات في خدمة تنمية ثقافية حقيقية، وفي إطار سعي لبلورة مشروع ثقافي متكامل في الإمارات.

لقد أحزنني أن أسمع من أحد ضيوف المعرض البارزين، أنه قدِم من بلده متحمساً لحوار ممتد مع مثقفي الإمارات، وجمهور معرض الشارقة، لكن تعدد الفعاليات لم يسمح له بالحديث إلا لمدة عشر دقائق فقط، لم تشكل بالنسبة إليه الحد الأدنى من الوقت اللازم، لإلقاء الضوء على الموضوع الذي دعي للحديث عنه.

وبينما نعيش أيام المعرض بكثير من الحماسة، نتطلع إلى أن تكون الدورة الثالثة والثلاثون، هي دورة التركيز على النوعية الأرقى، والمستوى الأرفع في الفعاليات، في المقام الأول، حتى وإن كان معنى ذلك انحساراً نسبياً في العدد والكم.