بالنسبة للذين خاضوا حرب أكتوبر من المقاتلين العرب والذين درسوا بكثير من الاهتمام والتدقيق كل دروس هذه الحرب، فإن جوهرها الحقيقي يدور حول إعلاء الإرادة السياسية العربية من خلال كسر نظرية الأمن الإسرائيلي، وإقناع صانع القرار في تل أبيب بأنه لا مكان للوهم المتعلق بقدرته على فرض إرادته على العرب، من خلال امتلاك قدرات عسكرية تعادل قدرات الجيوش العربية مجتمعة.

ربما لهذا، على وجه الدقة، لم يقتنع هؤلاء المقاتلون وأولئك الباحثون يوماً بالنتائج السياسية التي أفضت إليها الحرب، في نهاية المطاف، فمن منظورهم أن هذه النتائج تعكس اختلالاً بين أداء المقاتل العربي وبين أداء المفاوض العربي، وهو اختلال واضح وصريح ولا موضع لإنكاره.

لهذا أيضاً فإن الاحتفال الكبير بالذكرى الأربعين للانتصار العربي في هذه الحرب، جاء ليوكد هذا المعنى الذي لم يغب يوماً عن ضمير الأمة العربية.

ولكن العديد من المعاني الأخرى نهضت، هذه المرة، لتضاف إلى معاني الحدث التاريخي الكبير.

في اعتقادي أن الخطأ الأكثر بشاعة الذي ارتكبته جماعة الإخوان المسلمين كان اختيارها يوم الاحتفال بذكرى الانتصار الكبير للإعلان مجدداً عن انشقاقها على إجماع الشعب العربي في مصر، ومن هنا دفعت بكوادرها إلى الشوارع والميادين لمحاولة الإساءة إلى الشعب المصري، وإطلاق الدماء في شوارعه خلال احتفاله بانتصاره الكبير.

الأمر لا يقف عند هذا الحد، على الرغم من خطورته وتعدد دلالاته السلبية، وإنما يمتد إلى فقدان البصر والبصيرة لدى قوى سياسية أخرى، وجدت من المناسب أن تعلن عن عدم مشاركتها للشعب المصري في الاحتفال بالحدث التاريخي الكبير.

وقد تابعت، وتابع الكثيرون غيري، متحدثين باسم قوى سياسية، في مقدمتها حزب النور وحركة السادس من أبريل، وهم يبررون موقفهم الغريب هذا بالقول إنهم آثروا الوقوف على الحياد، على حد تعبيرهم.

أي حياد هذا وقد كان في مدن مصر وقراها وكفورها ونجوعها شعبها كله يحتفل بانتصاره، وقلة ضالة مضلة تحاول إلقاء الدماء في وجه المحتفين؟

أعتقد أن من حق الشعب المصري أن يقول اليوم «كفى» لكل القوى التي تحاول عرقلة مسيرته، وأن يضع قوله موضع التنفيذ، فيزيح جانباً كل من يحاولون منعه من بدء مسيرته نحو البناء والتنمية والمستقبل الأفضل.

إن معنى أكتوبر اليوم هو أن نعيد التأكيد، مجدداً، على الإرادة السياسية للشعب المصري التي انتصرت قبل أربعين عاماً، والتي تنتصر اليوم من جديد، وتؤكد حضورها ومضاءها وقدرتها على تشكيل ملامح الحياة على أرض مصر، رغم كيد الكائدين، ومحاولتهم عرقلة المسيرة إلى المستقبل.