من الظواهر التي تلفت النظر حقاً، أنه على مدار العامين السابقين لم يستطع عالمنا العربي أن يرصد، بالحد الأدنى المطلوب من الوضوح، تجليات ظاهرة العنف السياسي، دع جانباً التنبؤ بمسيرتها المستقبلية، وما يمكن أن تفضي إليه أو يترتب عليها من تبعات ونتائج.

هذا جزء من أسرار الإخفاق في إدارة الأزمات في أكثر من مجتمع عربي، وهو إخفاق مدو، وفاضح، ولامجال لإنكاره، حيث إن نتائجه أمام أعيننا جميعاً، لا تحتمل التنصل ولا الإنكار.

أعتقد أن جزءاً مهماً من عدم نجاح المجتمعات العربية في التعامل مع ظاهرة العنف السياسي، ليس وليد اليوم ولا الأمس القريب، وإنما هو ابن عقود طويلة مضت. كان أستاذنا المغفور له بإذن الله تعالى الدكتور حامد عبد الله ربيع، أستاذ النظرية السياسية الأسبق في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، واحداً من المفكرين البارزين الذين انتبهوا، بعد هزيمة 1967 مباشرة، إلى أن عالمنا العربي من المحتم أن يشهد تجليات شتى للعنف السياسي، وأنه لا بد من التصدي بالدراسة العلمية لهذه التجليات.

الجهود الكبيرة التي بذلها هذا العلامة الكبير وعدد من زملائه وتلامذته، أسفرت عن بروز تيارين محددين في دراسة العنف السياسي.

التيار الأول سمي من انخرطوا فيه بالمستقلين، لأنهم كانوا كذلك فعلاً، فهم باحثون لا ينتمون لأحزاب أو جماعات أو أيديولوجيات، وإنما هم باحثون ينتمون في غالبيتهم إلى الجامعات ومراكز البحث العلمي المستقلة اسماً وفعلاً.

التيار الثاني ضم باحثين ينتمون إلى مؤسسات مهنية بعينها، تملك الإمكانيات الكبيرة والقدرة على ابتعاث باحثيها إلى أكثر جامعات العالم ومراكزه العلمية تقدماً، لكنها تفتقر إلى أبرز مميزات باحثي التيار الأول، وهي الموضوعية والتجرد.

مرت مياه كثيرة تحت جسور أنهار الدنيا، وفي غضون ذلك تعرض أبناء التيار الأول من الباحثين لقدر هائل من الضغوط، عصف بالغالبية العظمى منهم، وأوشك أن يخرجهم جميعاً من حقل البحث العلمي في ظاهرة العنف السياسي وتجلياتها المختلفة.

ما زلت أذكر تلك الظهيرة الموحشة التي علقت فيها قائمة تحمل أسماء ستة عشر باحثاً في جامعة القاهرة، تنذرهم بأنهم قد تم استبعادهم من سجل القيد للحصول على درجات الدكتوراه والماجستير، لتجاوزهم المدد المحددة لهم قانوناً. وذلك على الرغم من أن معظمهم كانوا من المجندين وضباط الاحتياط، الذين تتطابق مدد تجنيدهم مع فترات تسجيلهم للدراسة. وكانت تلك طريقة واحدة، ضمن طرق عديدة تم من خلالها العصف بأولئك المستقلين.

ولست أشكك في موهبة الباحثين المؤسسيين ولا قدراتهم، ولكنني أقول إنه لم يأت من فراغ ذلك التخبط في إدارة الأزمات والعجز عن التعامل مع ظاهرة العنف السياسي في العديد من بلادنا العربية اليوم. ومن يدري، قد يكون هذا أحد الدروس المستفادة التي يمكن توظيفها في خدمة مستقبل أفضل لهذه البلاد.