أستاذنا الجليل، المعماري العربي الكبير الدكتور محمد مكية، لا أجد على لساني ما أضيفه في مستهل هذا الخطاب المفتوح إليك، إلا تحية ودعاء، أما التحية، فهي: أسعد الله صباحك، وأما الدعاء، فهو أن يطيل الله عمرك، وأن تحتفل مع كل محبيك من عشاق العمارة العربية الأصيلة بعيد ميلادك المئة في العام المقبل.
أتاح لك مولدك في بغداد عام 1914 أن تشهد أفول الهيمنة العثمانية، ونشوء العراق الجديد عام 1921، وأن تعايش انتقال الحياة على أرضه من حال إلى حال، الأمر الذي جعلك تقول في مجالسك لمحبيك، إنك لم تعش قرناً من الزمان، بل عشرة قرون.
لست أشك في أن مدناً عديدة، على امتداد العالمين العربي والإسلامي، تتنافس الآن على وضع خطط تكريمك والاحتفاء بك وبمنجزاتك المعمارية الكبيرة، بمناسبة عيد ميلادك المئة في العام المقبل، ولكن أيها ستحرز قصب هذا السبق؟
ربما كانت بغداد هي التي ستبذل قصارى الجهد، في هذا المجال، ففيها ولدت، ومنها انطلقت إلى لندن عام 1935، مبعوثاً للدراسة في أول بعثة موسعة للدولة العراقية إلى بريطانيا، وإليها عدت في عام 1946، لتعمل في دوائر الدولة، ولتؤسس كلية العمارة في جامعة بغداد عام 1959، وتركت بصمتك على العديد من مشروعاتها العمرانية، وأبرزها جامع الخلفاء، وشاركت في إرساء خطاب عمراني ومعماري عراقي واقعي، لكنك ترحلت عنها مكرهاً مع تسييس المجال الأكاديمي عام 1971، ولا تزال مترحلاً حتى اليوم، ثم إن بغداد اليوم في زمن الهدم، لا في عصر البناء.
ربما ينعقد قصب السبق لمسقط، التي شددت الرحال إليها في بداية السبعينيات، لتعمل مستشاراً للسلطان قابوس، ولتبذل جهداً فائقاً في الحفاظ على ملامح الهوية المعمارية الأصيلة هناك، ولتجعل من المشروع العمراني العماني مرادفاً للحكمة والرصانة.
ومن الوارد أن ينعقد قصب السبق في الاحتفاء بك، سيدي، في عيد ميلادك المئة لدولة الكويت الشقيقة، وهل هناك من ينسى مآثرك هناك، وإبداعك الذي تركته حضوراً باهراً تحت الآفاق؟ يكفي في هذا الصدد أن تتأمل مسجد الدولة في الكويت، ببرنامجه الإنشائي البديع..
لكني أحسب أن دبي هي التي ستفوز بقصب السبق في التنافس على تكريمك والاحتفاء بك، فهي ــ كما تعلم ــ مدينة البناء بامتياز، وهي تعرف لك قدرك، منذ مساهماتك الأولى في تنظيم تخطيطها العمراني المستقبلي، كما أن مساهماتك المعمارية على أرضها أشهر من أن نعرف بها هنا، وفي مقدمها ترميم بيت المغفور له بإذن الله الشيخ سعيد آل مكتوم.
لهذا، فإني والكثير من محبي العمارة العربية الأصيلة، نتوقع من دبي مؤتمراً شاملاً عن مستقبل العمارة العربية، يتصدر فعالياته تكريمك، والاحتفاء بمنجزاتك، والاحتفال بعيد ميلادك المئة.
وفي انتظار هذا الحدث المعماري الكبير، لا نملك إلا أن نتمنى لك دوام التوفيق، واستمرار عطائك الثري لأجيال جديدة من أبنائك وتلامذتك ومحبي إبداعك.