إحدى المآسي الكبرى في التاريخ البشري أن قلة محدودة للغاية ممن يسهمون في صنع وقائعه، يملكون من البصر والبصيرة ما يتيح لهم إدراك طبيعة المنعطف الذي يمرون به، وبالتالي فإن الجموع التي تندرج والوقائع التاريخية، غالباً ما تقع في أسر اليومي والجزئي، وتغيب عنها الصورة الشاملة ويحتجب المستقبل، فتعجز عن اتخاذ القرارات التي تخاطب أفضل الخيارات، التي تشارك في صنع نسيج المستقبل.
وجماعة الإخوان المسلمين في مصر ليست استثناء من هذه القاعدة، ومن هنا فإننا نرى قادتها الحاليين، على الرغم من استنادهم إلى تاريخ ممتد من التجارب السياسية التي لا ينقصها التشابك ولا التعقيد، يتخبطون في مسلسل متتابع من القرارات السياسية الخاطئة، التي تفضي بهم إلى صدام قد يجعل الجماعة شيئاً ينتمي إلى الماضي، ولا مكان له في مستقبل مصر.
تعلمنا النظرية العامة للعنف السياسي، أن اعتماد العنف أداة للحركة السياسية، أو حتى التلويح بهذا الاعتماد، هو مخاطرة سياسية هائلة، لا ينبغي النظر إليها باستخفاف أو استهانة، لأنها تضع من يركب مركبها الصعب في موضع المخاطرة بوجوده ذاته، ليس السياسي فحسب، وإنما العضوي أيضاً.
ومنذ تغلب التيار القطبي داخل الجماعة، فإن هذا الاعتماد قد تم اللجوء إليه مراراً، ولكنه هذه المرة يمر بمواجهة الجماعة للمجتمع المصري بأسره، وليس بمواجهة السلطة، أو تجمع للخصوم السياسيين.
هكذا فإننا نرى الجماعة وهي تنطلق اليوم في نفق عدمي مسدود، يتناقض مع أبسط قواعد الحركة السياسية، فهي من ناحية تصطدم بالمجتمع المصري بأسره، ومن ناحية أخرى لا تتردد في الاستقواء بالخارج ضد إرادة الغالبية الكاسحة من أبناء الشعب المصري، ومن ناحية ثالثة تعتمد العنف واضحاً وصريحاً ودموياً أداة للحركة السياسية.
في هذه اللحظات التي يصنع فيها تاريخ مصر من خلال حركة قواه السياسية، لا ينبغي أن يغيب المستقبل عن العيون، كل العيون. ولست أشك أن في داخل جماعة الإخوان المسلمين من القيادات الوسيطة والشابة، من يدرك أن التيار القطبي ينبغي أن ينحى من قيادة الجماعة، بإجراءات تنظيمية صارمة لا تقبل أنصاف الحلول، إذا أرادت الجماعة أن يكون لها حضور في مستقبل مصر.
ومن المؤكد أن هذه القيادات تدرك أن العودة بالجماعة إلى الجوهر الدعوي، والابتعاد التام عن الحركة السياسية، هما وحدهما اللذان يمكن أن يمضيا بها إلى مكان ما، أياً كان تواضعه، في الخريطة المصرية.
ومن هنا فإن الخطوة الطبيعية لهذه القيادات، أن تبادر إلى بذل قصارى جهدها لإيقاف التحركات العمياء، التي تفرضها القيادات الراهنة على كوادر الجماعة، والتي جعلتها في صدام مباشر مع الغالبية الكاسحة من أبناء مصر، الذين يرون فيها الآن عائقاً غير مقبول يحول دون عودة مصر إلى مسيرة العمل والإنتاج واللقاء مع مستقبل أفضل.