لست أشك في أن المشهد السياسي في مصر يحير الكثيرين، في داخل مصر وخارجها، ويرجع جانب كبير من هذه الحيرة إلى أن عدداً لا يستهان به ممن يتابعون هذا المشهد يتساءلون عما يجري في ميادين القاهرة، وعن ترك العنان للقوى السياسية المؤيدة للرئيس المصري السابق محمد مرسي تفعل ما تشاء، بل وتزامن ذلك مع ما تردد عن عرض مناصب وزارية على الإخوان المسلمين وبعض القوى السياسية المتحالفة معهم.

ليس هذا وحده هو المحير في هذا المشهد، وإنما الأكثر مدعاة إلى الحيرة هو الاتجاه الذي يتوقع أن تمضي فيه المسيرة السياسية في مصر، في المرحلة المقبلة. في اعتقادي أن هذه الحيرة ستظل قائمة إلى أن نعرف بوضوح طبيعة القوى المنخرطة في مسيرة الثورة المصرية، والأهداف التي تنشدها، والحركة السياسية التي تعتزم تبنيها في المرحلة المقبلة.

يمكن القول، بأوسع المعاني، إن الثورة المصرية منذ أيامها الأولى في الخامس والعشرين من يناير عام 2011 وما أعقبها من موجات ثورة، تستند إلى أربع قوى رئيسية، لها تفرعاتها، بالطبع.

القوة الأولى هي الشباب من أبناء الطبقة المتوسطة، الذين كانوا أول من دعا إلى النزول إلى الشارع، في مواجهة جبروت نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، والذين انتموا إلى شرائح اجتماعية ميسورة من هذه الطبقة، نالت قسطاً مميزاً من التعليم، ووضعت يدها على أدوات التواصل الاجتماعي.

القوة الثانية، التي كان من الطبيعي أن تنضم إلى الثورة بتلقائية وبروح وثابة، هي تجمعات اليسار المصري، التي كانت قد تعرضت لضغوط هائلة في ظل حكم مبارك، وصلت بها إلى العمل في إطار مجموعات محدودة في مكونات المجتمع المدني، وخاصة تلك التي تدافع عن حقوق الإنسان.

القوة الثالثة هي الشرائح الليبرالية في البورجوازية المصرية، ووصف «الليبرالية» هنا ضروري وحتمي، لأن هذه الطبقة في المجتمع المصري لم تعرف الحماس تقليدياً للتغيير، ومن هنا فإن شرائحها الليبرالية هي التي تحركت. القوة الرابعة هي قطاعات واسعة من الشعب المصري، اندفعت بتلقائية وحماس وراء الانطلاقة الثورية، لتشكل البدن الحقيقي للموجة الأولى من الثورة. المهمة الأكثر أهمية وإلحاحاً لهذه القوى الأربع، في المرحلة المقبلة، هي ألا تسمح بأي ترهل في الحراك نحو المستقبل، وأن ترفض أن يملى عليها برنامج يهدر حقوق الجماهير ومصالحها وهي الجماهير التي انحازت إلى الثورة منذ انطلاق شرارتها الأولى، وتواصل التضحية من أجلها اليوم وغداً، في مواجهة قوى عدمية تريد الانكفاء بها في ظلمات القرون.

لقد قيل الكثير، في مرحلة سابقة، عن سرقة الثورة، وبغض النظر عن مدى دقة هذا التعبير، فإنه هو بالضبط ما ينبغي ألا تسمح به قوى الثورة المصرية، في المرحلة المقبلة، لأن ما تمضي به وتدافع عنه ليس مصيرها وحده، وإنما مصير ملايين من البشر لا حصر لهم على امتداد العالم الثالث.