لم يُقَدَّر لتطور بعينه أن يعيد ترتيب أوراق اللعبة السياسية في مصر، كما حدث للرسالة التي بعث بها الفريق أول عبد الفتاح السيسي، القائد العام للقوات المسلحة المصرية، والتي أمهل فيها القوة السياسية أسبوعاً للتوصّل إلى حل للأزمة السياسية في البلاد، قبل المظاهرات الحاشدة التي دعت قوى المعارضة إلى القيام بها في 30 يونيو الحالي، وإلا بادر الجيش إلى التدخل لمنع انزلاق البلاد إلى نفق مظلم، وهو التدخل الذي لم يتردد في وصفه بأنه حتمي.
وعلى الرغم من الوضوح البالغ لهذه الرسالة، التي تضمنتها كلمة للسيسي خلال ندوة تثقيفية لقادة وضباط القوات المسلحة المصرية، فإنها تعرضت لقدر من إساءة التفسير، يبدو مذهلاً حقاً.
هناك من المراقبين المتابعين لـ «الحالة المصرية» من لم يترددوا في تقديم تحليل لمضمون هذه الرسالة، خرجوا منه بأنها ليست إلا تحذيراً مبطناً للمعارضة المصرية يستبق الثلاثين من يونيو، ويسعى إلى تفكيك آلياته، ويربطون هذا التفسير بالاجتماع الذي بادرت قيادات المعارضة إلى الدعوة لعقده في إطار من السرية.
وفي المقابل، بادر مراقبون آخرون إلى الإعراب عن اعتقادهم بأن تأكيد السيسي أن الجيش ليس بمعزل عن المخاطر التي تهدد الدولة المصرية، ولن يظل صامتاً أمام انزلاق البلاد في صراع تصعُب السيطرة عليه، إنما هو رد على وقائع «جمعة لا للغضب» التي استعرض الإخوان المسلمون قواهم خلالها، ولم يتردد محمد البلتاجي، أحد قادتهم خلالها، في انتقاد الجيش، في كلمة ألقاها ضمن فعالياتها. وأشار فريق ثالث من المراقبين إلى أن أول رد فعل لجماعة الإخوان المسلمين على تصريحات السيسي، تمثل في تأكيدهم أنه ليس لديهم مانع من التعامل إيجابياً معها، على الرغم مما تسببه من حرج لمؤسسة الرئاسة، باعتبارها تعد تدخلاً من جانب الجيش في الشأن السياسي.
ومن المؤكد أن الرسالة التي وجهها السيسي للقوى السياسية المصرية تظل قابلة للمزيد من التفسيرات، وإن كانت في جوهرها تحذيراً لهذه القوى، وتلويحاً بالتدخل. وعلى الرغم من ذلك، فإن المشهد السياسي المصري يظل هو ذاته، فالأغلبية الحاشدة من المصريين تظل على إصرارها على الخروج في الثلاثين من يونيو للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، وجماعة الإخوان المسلمين ومن تحالفوا معها من قوى ومكونات التيار الديني، يظلون على إصرارهم على التصدي لهذه الأغلبية، وهو التصدي الذي قدمت نماذج مصغرة منه في صدامات دموية في محافظات عدة.
هل سيشهد الأسبوع المهلة تطوراً نوعياً يعيد تشكيل هذا المشهد؟ لا أحد يستطيع الزعم بأنه يملك إجابة عن علامة الاستفهام الصعبة هذه. لكن ما يمكن تصوره، هو أن الجيش ربما يكون قد قطع الطريق على أولئك الذين لم يترددوا في التلويح بالعنف، في فعاليات تحمل شعار رفض العنف.
إن أخطر ما في الثلاثين من يونيو، هو أنه يضع جماعة الإخوان المسلمين أمام تاريخها، وهو تاريخ نعلم جميعاً كم هو حافل بالعنف، فلعل رسالة الجيش تحول دون انطلاق هذا العنف من عقاله، وتتيح للشعب المصري أن يعبر عن إرادته الحرة.