فوضى التفتيت

هل انتصرت تيارات متطرفة في «وطنيتها» لتحرف السياسة الأميركية، أم أن هناك، كالعادة، ما يجري في الخفاء، تعجز عن تلمسه ميزات القرية الكونية المتداخلة والمفتوحة، بل والمفضوحة إعلامياً؟

في الدورة الأولى للانتخابات الأميركية، كان جل المجتمع الأميركي تواقاً للتغيير، بعدما نجح جورج بوش الابن في استحضار «قوى الشر» ومحورها إلى عمق البيت الأميركي، وزج بالولايات المتحدة في أكثر من حرب وجبهة صراع استنزفت الاقتصاد وأرهقت ميزانية المواطن الأميركي، فكان طبيعياً أن يتنافس المتنافسون على شعار التغيير، كل بحسب رؤيته.

 شعار «التغيير» الذي رفعه باراك أوباما، وجد صدى غير مسبوق في الشارع الأميركي، وشاهدنا شباناً وشابات بأعداد غفيرة تجندوا لهذا الهوس الـ«أوبامي»، غالبيتهم الساحقة كانت من ذوي البشرة الشقراء. وفي المعسكر المقابل كان رموز الحزب الجمهوري المنافسين لأوباما، مثل رومني وبول وغيرهما، يرفعون أيضاً شعار التغيير، لكن على أساس مختلف يمكن وصفه بـ«الشوفيني».

فبينما كان معسكر المحافظين الجمهوريين يلوذ في الظل منسحباً، كان محافظون آخرون وجدوا لهم حلفاء حتى في المعسكر الديمقراطي، يلبسون لبوساً مفاجئاً ظاهره «على أميركا أن تنسحب إلى داخل حدودها وتترك العالم يداوي جراحاته»، حتى إن بعضهم سحب هذا الشعار على إسرائيل نفسها، ليكسر أشد «التابوهات» في الثقافة الأميركية.

فاز أوباما ولم يلمس لا المواطن الأميركي ولا العالم ذلك التغيير المنشود، باستثناء الترويج الإعلامي لتجنب إشعال أي حروب جديدة. في الانتخابات الرئاسية الأميركية الثانية، غاب شعار التغيير، وحل محله الوضع الداخلي الوأميركي، من مثل تخفيض الضرائب ونظام التأمين الصحي، إلى جانب الالتزام بأمن إسرائيل ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي.

فاز أيضاً أوباما، وكان العالم ينتظر ملفات عدة مرشحة للحسم، على أساس أن الرئيس الأميركي أكثر تحرراً من جماعات الضغط «اللوبيات» في دورته الثانية، لكن الملفات بقيت على حالها وبدت الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة في العالم، في حالة كمون خارجي.

القاصي والداني بات يتحدث عن دور المنظمات غير الحكومية الأميركية في «تدريب» الشباب العرب على الديمقراطية، ومن ثم ثورات «الربيع العربي» والتدخل الأميركي الواضح في مجرياتها، من عيار تصريحات «أوبامية» حازمة: على القذافي ومبارك أن يرحلا الآن.. والآن تعني الآن.

بقيت فصول ثورات في المنطقة كسوريا في انتظار الحسم، وكذلك حتى دول الربيع الناجز عادت إلى البدء الفوضوي، ولا موقف أميركياً واضحاً، حتى ليخيل للمراقب أن أميركا انكفأت فعلاً إلى داخل حدودها، تاركة فوضى غير خلاقة بتاتاً تشل مصر ودورها الإقليمي، ومذابح تشتد شراسة في سوريا، حتى إن الفوضى السياسية وصلت إلى إسرائيل عبر مخاض عسير لولادة حكومة جديدة.

فهل انسحبت الدولة الأقوى في العالم من «لعبة الأمم»، تاركة الساحة لمنظمات «الابتزاز» التي ترفع شعار حقوق الإنسان، أم أن الفوضى هي شعار المرحلة، لكن الفوضى الموجهة نحو التفتيت كضربة قاضية لأي محاولات وحدوية قد تطرحها غصون الربيع العربي؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات