المشهد الذي امتد عند أبواب قصر الاتحادية الرئاسية في القاهرة، قبل أيام، يستحق قراءة معمقة، تستهدف في المقام الأول فهم ما جرى على وجه الدقة، ومحاولة وصفه في سياقه الصحيح، ورصد احتمالات المستقبل في ضوء ما جرى، والقوى التي تقف وراءه.
من المحقق أن المأساة التي تعرض لها حمادة صابر من اعتداء وحشي على أيدي رجال الأمن، وما أعقب ذلك في التعامل معه لحجب الحقيقة، قد سرقت الاهتمام من المشهد الكبير، ولكنها بالطبع ما كانت لتحجبه عن العيون ولا الأذهان.
هناك حقائق أساسية تفرض نفسها، على الفور تقريباً، لدى محاولة فهم هذا المشهد الذي امتد نارياً ودامياً أمام قصر الاتحادية.
الحقيقة الأولى، هي أن عنفاً ضارياً قد اندلع، وأن المتظاهرين أمام الاتحادية قد خرجوا عن الطابع السلمي الذي ميز ثورة الخامس والعشرين من يناير منذ بدايتها، وأنهم بادروا إلى إلقاء زجاجات المولوتوف وراء أسوار القصر، لتندلع النيران في أشجار حديقته وبعض المباني الصغيرة المخصصة لعناصر الحراسة فيه.
الحقيقة الثانية، هي أن القوى السياسية الوطنية بادرت إلى سحب كوادرها وعناصرها من المشهد، وأصدرت بيانات تؤكد فيها عدم مسؤوليتها عما يجري، ورفضها لاعتماد العنف أسلوباً للحركة السياسية بهذا الشكل.
الحقيقة الثالثة، هي أن عناصر تابعة لجماعة الإخوان المسلمين كانت جاهزة على مسافة من المشهد ومعدة لاقتحامه، لكن اتفاقات وراء الكواليس أو إعادة للحسابات حالت دون حدوث ذلك الاقتحام، الذي كان كفيلاً بأن يجري نهراً من الدماء في المنطقة.
الحقيقة الرابعة، هي أنه لا أحد بالضبط يعرف هوية القوى التي انطلقت من عقالها لتعتمد العنف على هذا النحو، ولا أحد من القوى السياسية على اختلافها كان بمقدوره التحكُّم في هذه القوى، التي قيل إنها شرائح اجتماعية غاضبة جاءت لتعبر عن يأسها وإحباطها على هذا النحو.
وتتعدد الحقائق التي تتجاوز المجال المتاح لنا هنا، لكنها جميعها تصب في غياب حل سياسي للأزمة الحالية، حيث إن كل ما طرح كان يندرج في إطار المعالجات الأمنية لموقف سياسي لا مجال لإنكار تعقيده الشديد.
وإذا كان صانع القرار يبدو عاجزاً عن إيجاد حل سياسي للأزمة، أو غير راغب في ذلك، باعتبار أنه يراهن على الوقت، وصولاً إلى الاستحقاق الانتخابي، فإن قوى جبهة الإنقاذ بدورها ليس لديها حل أيضاً، وهي تراهن على المزيد من إحراج صانع القرار، وإظهاره أمام الداخل والخارج بمظهر العاجز عن الاضطلاع بمسؤوليات ما أسند إليه، من دون أن تطرح حلاً شاملاً للموقف الراهن.
ويبقى صحيحاً أن أي قراءة في مسيرة الثورات الماضية، تصب كلها في التحذير من خطورة المسار الراهن، الذي تنطلق فيه الأحداث في مصر، خاصة مع تصاعد غضب قوى اجتماعية متزايدة، ترى أنها ليس لديها ما تخسره، وأن الغد لا يحمل لها وعداً أو أملاً بالتحسن على أي مستوى، وهو تحذير لا بد لكل القوى السياسية في مصر أن تأخذه في الاعتبار.