شهدت مصر، من جديد، معالجة لقضية سياسية في جوهرها، بقرارات أمنية. فقد انتظر المصريون طويلاً أن يطل عليهم الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي، ليعلن قرارات تتناول الجذر السياسي للصراع، الذي شهدته مصر في الذكرى الثانية لقيام ثورة الخامس والعشرين من يناير، والذي كان في الحقيقة عودة بها إلى المربع الأول، وتأكيداً لعدم تحقق أي من الأهداف التي قامت هذه الثورة من أجلها، ولكن ما أطل به لم يتجاوز بعدين محددين يدوران في فلك المعالجة الأمنية للأحداث السياسية.= البعد الأول، هو إعلان الأحكام العرفية وحظر التجوال في محافظات القناة الثلاث، على امتداد ثلاثين يوماً، مع التلويح بإمكانية اتخاذ المزيد من القرارات في هذا المجال، إذا لم يكن هذا البعد الأول كافياً لمعالجة الأحداث على امتداد المشهد السياسي المصري.
التاريخ المصري يعلن أن هذا القوس الاستراتيجي بالغ الحساسية أمنياً، الذي تشكله محافظات القناة الثلاث، هو بمثابة مقياس بالغ الدقة لعملية صنع القرار في القاهرة، فأي اختلال أمني أو تعرض للخطر في هذه المحافظات الثلاث، يعني بالضرورة أن هناك خللاً هيكلياً في صنع القرار في القاهرة، يتعين تداركه على الفور، مهما كان الثمن، وأياً كانت العواقب.
يرجع ذلك لأسباب عدة، في مقدمها موقع هذه المحافظات الثلاث وارتباطها بالممر الملاحي لقناة السويس، بكل ما يتصل به من التزامات دولية تقع على كاهل مصر، وفق معاهدة القسطنطينية، وأيضاً الوعي السياسي المتقدم لأبناء هذه المحافظات الثلاث، الأمر الذي جعل السويس، على وجه التحديد، مقياساً لنبض الحركة الوطنية المصرية، بما في ذلك دورها الرائد في ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتضحياتها الكبيرة من أجل أهدافها النبيلة.
البعد الثاني في ما طرحه الرئيس المصري، هو دعوته لإحدى عشرة هيئة سياسية وأربع شخصيات عامة، للمشاركة في حوار شامل يستهدف التوصل إلى حلول لمعالجة المشكلات التي تطرحها الأوضاع الراهنة على الساحة السياسية المصرية.
وقد بادر عدد من الهيئات السياسية المدعوة للحوار، إلى إعلان الاستجابة للدعوة، وجرى التنويه بأن هذه الاستجابة، إنما ترجع إلى أن المؤسسة العسكرية المصرية، ممثلة في مجلس الدفاع الوطني، هي الضامن للحوار، ما يكفل جديته ــ هذه المرة ــ وإمكانية توصله إلى حلول عملية قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
ويلفت النظر هنا، أن جبهة الإنقاذ المعارضة لم تكن من بين الجهات والهيئات التي وُجهت إليها الدعوة للمشاركة في الحوار، وهي الملاحظة التي تم الرد عليها بأن الدعوة قد وُجهت إلى أحزاب وهيئات منضوية تحت لواء الجبهة. فهل يعني هذا أن مؤسسة الرئاسة تقبل مشاركة هذه الأحزاب والهيئات في الحوار، ولكنها ترفض مشاركة الجبهة بصفتها تلك؟. أياً كان الأمر، فإن الجميع ينبغي أن يدرك أن رفاهية الوقت ليست متاحة للقوى السياسية الفاعلة في مصر الآن، وأنه لا بد من العمل السريع والفاعل من أجل الوصول إلى ضوء في نهاية النفق، لأن مصير مصر هو الآن على المحك، وهي حقيقة لا يستطيع أحد الهروب منها، أو تأجيل التعامل الجاد معها.