قلنا إن فلاحي مصر قد أصبحوا في صدارة المنسيين على أرضها، وإن عمالها يتصدرون اليوم المهمشين فيها، وحذرنا من أن مثقفيها يُرفع على أعناقهم سيف النفي إلى خارجها أو إلى خارج المجال العام في داخلها، بحيث يتراجعون إلى بيوتهم وأدراج مكاتبهم، وربما إلى صدورهم.
اليوم نتناول فئة أخرى في مصر، قلما تحظى بأي اهتمام حقيقي، وهي فئة سكان العشوائيات. هذه الفئة من أبناء مصر تشكل لغزاً كبيراً حقاً، فليست هناك أي دراسات أو إحصاءات أو معلومات من أي نوع تتعلق بهم، وربما كانت المعلومات الوحيدة عنهم هي تلك التي راكمتها وزارة الداخلية، والتي تقتصر على المنظور الأمني، وعلى تجنيد وزير الداخلية المصري السابق حبيب العادلي لأعداد منهم، ليشكلوا قوة ضاربة موازية لقوى الأمن الرسمية، هي التي عرفت إعلامياً باسم «البلطجية».
وبخلاف ذلك، فإنه ما من أحد يعرف شيئاً على وجه اليقين عن سكان العشوائيات، من هم بالضبط، من أين جاؤوا، إلى أين يمضون، ما هي أعمالهم، ما الذي دفعهم للتجمع في هذه العشوائيات، كيف يعيشون اليوم في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة ومعظمهم يعمل بنظام «المياومة»؟
يلفت نظرنا، على الفور تقريباً، أن الدراسات الميدانية المنتظمة، التي أجريت على سكان مناطق العشوائيات التي تشكل حزام الفقر المحيط بالقاهرة الكبرى، أجرتها الجامعة الأميركية في القاهرة بشكل أساسي، ولم يكشف النقاب عن النتائج الحقيقية والرقمية لهذه الدراسات، حتى الآن.
لكن الحقائق المعروفة عن هذه المناطق وسكانها، تبرر مخاوف العديد من الباحثين من أن هذه الكتلة السكانية المتأرجحة والرجراجة والبعيدة عن الوعي الحقيقي، يمكن أن تتحول إلى حملة المشاعل في حريق آخر للقاهرة، لا قدَّر الله.
يلفت نظرنا أيضاً أن هناك من الدراسات ما يشير إلى أن خُمس قوة العمل في هذه العشوائيات، يعمل بمهن ترتبط بدفن الموتى، والمرء لا يمكن إلا أن يتساءل عما إذا كانت تلك هي مهنهم حقاً، أم أنها مرتبطة بأن أعداداً كبيرة منهم تقيم في الطرقات والمقابر، إما بعد أن لفظهم الريف بقوة الفقر والبطالة أو طردتهم الأحياء الشعبية في القاهرة نفسها أو في مدن الأقاليم، بفعل العجز عن الاستيعاب.
بعض الباحثين يحذرون من أن هؤلاء الناس يرددون أصداء نظرائهم في تجارب أخرى، كما في الجزائر، الذين تعاونوا مع قوة الاحتلال ومع المستوطنين الفرنسيين في التصدي للحركة الوطنية، ومن ثم الثورة الجزائرية. ويشيرون في هذا الصدد إلى تعاون فئات منهم مع قوى القمع في النظام المصري القديم، في مواجهة القوى الوطنية، طوال العقود الماضية.
أياً كان الأمر، فإن سكان العشوائيات يظلون في صدارة ضحايا النظام القديم، الذي تجاهل أبسط حقوقهم كمواطنين وكبشر، وتركهم مشكلة غير قابلة للحل، وقنبلة عرضة للانفجار في أي وقت، ذلك أن مشكلة وجودهم في هذه العشوائيات قد حولها النظام القديم إلى أمر واقع، وتعامل مع هذه التجمعات بالتجاهل حيناً، وبالقبول حيناً آخر، وبالاستغلال في كل الأحيان.
هؤلاء الضائعون تحت آفاق يكسوها الرماد واليأس، تحولوا إلى مشكلة أخرى من المشكلات التي يتعين على مصر أن تحلها، إذا أرادت أن تقف على قدميها، وأن تتغلب على التحديات المفروضة عليها.
وكم هي كثيرة هذه التحديات!