قلنا إن مثقفي مصر يتربص بهم خطر المنفى، والمنفى هنا ليس بعداً جغرافياً، فهم قد يتعرضون للنفي إلى بيوتهم، أو أدراج مكاتبهم، أو حتى إلى صدورهم، وضربنا أمثلة بحالات محددة لمثقفين بعينهم، من خلال مواقفهم على أرض الواقع، لنلقي الضوء على الخطر الذي يتربص بمثقفي مصر، كما أن فلاحيها يتعرضون لخطر النسيان، وعمالها يواجهون خطر التهميش.

وقد بادر قراء كرام إلى الاعتراض على ما قلناه في هذا الصدد، مشيرين إلى أن مثقفي مصر في صدارة القوى الوطنية التي تبادر إلى حشد الجهود، للمضي بثورة 25 يناير نحو الأهداف التي قامت من أجلها، ومن ثم فإن خطر النفي الذي حذرت منه ليس وارداً.

وأنا أتمنى بالطبع أن يكون هذا صحيحاً، ذلك أن مثقفي مصر يتعين عليهم اليوم التصدي للمهمة الأكثر إلحاحاً، وهي بلورة رؤية واضحة ومحددة لمستقبل مصر، بعيداً عن السجالات السياسية، وعن الصدامات في الشوارع، وعن سحب الدخان وألسنة اللهب.

هذه المهمة ليست جديدة على مثقفي مصر، فقد كانوا في ظل المراحل التاريخية هم الذين يضطلعون بها، يستوي في ذلك علماء الأزهر الذين كانوا في قلب ثورتي القاهرة في مواجهة جنود الحملة الفرنسية، أو العائدون من بعثات محمد علي إلى إيطاليا وفرنسا، أو العائدون من بعثات الجامعة.

ولكن هذه الرؤية لمصر يعترضها عدد من العراقيل التي لا موضع للتقليل من خطورتها، وفي مقدمتها أن المجتمع المصري يواجه اليوم انقساما رأسياً، يكاد يجعل الإجماع على أي شيء أمراً مستحيلاً على وجه التقريب، فكيف بالإجماع على رؤية لمستقبل مصر؟

ومن ناحية أخرى، فإن من الواضح أن هناك برنامجاً يجري تنفيذه للتمكين لرؤية أخرى، لا تفتقر إلى الامتداد من الناحية الزمنية ولا إلى القدرة على الصدام من الناحية الفعلية، باعتبار أن أصحابها في سدة السلطة بالفعل في مصر.

في اعتقادي أن هذا كله يزيد من تعقيد مهمة المثقفين المصريين، المتمثلة في بلورة رؤية لمستقبل مصر، تجمع بين العمق والأصالة والوضوح، وتأخذ في الاعتبار أن العقود القليلة من الزمن قد غيبت الدور المصري، وأوجدت نوعاً من الفراغ يبادر الكثيرون إلى محاولة ملئه بكل الوسائل.

ولكن هذا التعقيد في المهمة لا يجعلها مستحيلة، وإنما يدفع إلى بلورة المزيد من الوسائل الإبداعية والخلاقة، للتغلب على عناصر التعقيد والعرقلة.

هنا لا بد أن نلاحظ أن مثقفي مصر لا يتصدون لإنجاز هذه المهمة الصعبة في الفراغ، وإنما يقومون بمهمتهم النبيلة هذه وسط امتداد كاسح من الصراعات اليومية التي تستنزف طاقتهم، وتحاول عرقلة مسيرتهم، وما علينا إلا أن نلقي نظرة على مشروعات القوانين التي يجري إعدادها الآن، لكي نكتشف أن الغالبية العظمى منها تتصدى بالتقييد والمحاصرة لدور المثقفين، وإن شئت الدقة لقلت لدور من يضطلعون بمهمة التنوير وارتياد الآفاق ورؤية المخاطر والإشارة إليها والمسارعة إلى استباقها.

وفي كل الأحوال، يظل مثقفو مصر على مستوى التحديات التي تواجههم، ويبقون قادرين على ارتياد الآفاق، وصولاً إلى مصر الغد، حتى وإن تعددت القوى التي تشمر عن ساعدها للبطش بهم ومصادرة دورهم.