إذا كان فلاحو مصر قد أصبحوا في صدارة المنسيين على أرضها، رغم أن أبناء مصر جميعاً عيال على فلاحيها، وإذا كان عمال مصر قد أصبحوا في صدارة المهمشين فيها، رغم أنهم القوة الوطنية الأكثر نضالاً وكفاحية على مدار تاريخ مصر الحديث، فإن السؤال المؤرق الذي يفرض نفسه بقوة هو: إلى أين يمضي مثقفو مصر؟
لمّا كان مثقفو مصر هم الشريحة الرائدة الأكثر انطلاقاً نحو التنوير واستشرافاً لآفاقه، والأكثر تأهيلاً لاستشراف ملامح المستقبل والتحذير مما يكتنفه هذا المستقبل من محاذير ومخاطر وخطوط حمراء، فإن من المنطقي أن نتوقع أن يكون هؤلاء المثقفون هم أول من سيجري استهدافهم والبطش بهم، من جانب من يحاولون فرض برنامجهم على مصر الغد، في مصادرة مروعة للحاضر وإهدار لإمكانات المستقبل.
لهذا فليس غريباً أن نحذر هنا من أن يتحول مثقفو مصر إلى المنفيين بامتياز. وعندما نتحدث عن المنفيين، فإننا لا نقصد بعداً جغرافياً، فأخطر ما يمكن أن يحدث لمثقفي مصر، هو أن يتم نفيهم داخل بيوتهم وصدورهم وأدراج مكاتبهم، إن لم يكن ما هو أسوأ من ذلك.
وإذا كان هناك من يساوره الشك في دقة ما نقوله هنا، فما عليه إلا أن يسأل نفسه: لماذا تعرضت مدينة الإعلام والمحكمة الدستورية للحصار بهذه الضراوة؟ لماذا تم الهجوم على أكثر من دار صحافية في قلب القاهرة؟ تحليل مصير المثقفين المصريين أكثر تعقيداً من أن نتناوله هنا، ولكنني أريد أن أشير إلى ثلاث حالات لا غيرها، صادفتها بنفسي، وأترك للقارئ رصد الدلالات سلباً وإيجاباً.
في الحالة الأولى، روعني مثقف مصري بارز عندما قال، ضمن حديث مطول عن جهوده في تأصيل مفهوم الاغتراب وتحويله من مفهوم فلسفي يدور حول الانفصال إلى مؤشر رقمي في الدراسات الاجتماعية، إنه يحس في شارع قصر النيل بقلب القاهرة، باغتراب يفوق ما يشعر به في شارع سانت كاترين في مونتريال بكندا.
ولما ذكرته بأن شارع قصر النيل، بل والقاهرة النموذجية كلها، هي تجسيد لحلم، قال إنه يعرف ذلك، ولكن أين الإنسان المصري في قلب هذا الحلم؟ أين إنسانيته؟ ولماذا اضطر ملايين الناس إلى الرحيل بعيداً عن هذا الحلم؟
في الحالة الثانية، وصل بي أحد المثقفين المصريين الذين جعلوني أهيم بالموسيقى الكلاسيكية الغربية، إلى مشارف الدمع وتخوم الشجن، عندما اكتشفت أنه هو نفسه، في لحظات الأسى يدندن لنفسه، بنغمة المهرج، التي عصرت قلوب الكثيرين في فيلم «عودة الابن الضال» ليوسف شاهين.
في الحالة الثالثة، سألني أحد المثقفين عما إذا كنت أعرف مصير معتقل الواحات الشهير في صحراء مصر، وهل سيعيد حزب «الحرية والعدالة» فتحه في المستقبل؟ فلم أملك إلا القول إن «الواحات» لم يردع مثقفي مصر عن القيام بواجبهم الوطني في الماضي، والقوى الوطنية المصرية اليوم أقوى من أن تسمح لقوة كائناً من كانت، بإعادة فتحه، لأنهم في نهاية المطاف يستندون إلى شعب بأسره يرفض الرجوع إلى الوراء.