حلفايا في القلب.. ودير الزور لم يشغلنا عنك شاغل.. وداريا كل يوم نراك أخوة للدم والخبز.. هو الضمير العربي لم يشبع بعد، يا سوريا، من خبزك الطاهر، وأيضاً هي حال الضمير العالمي الذي لم يرتوِ بعد من دماء شهدائك.. وهل يشبع أو يرتوي من نام على الجرح الفلسطيني 60 عاماً!

يا حبيبتي.. هذه رسالتي قبل الساعة الأخيرة من ليلتي هذه، علني أستيقظ في اليوم التالي وقد أورقت البراعم إيذاناً بميلادك الجديد...

أفرانك ما عادت تفوح برائحة العجين في حجرة النار، فقد خمد الجمر على رائحة الدم، ابنتك حلفايا زفت لك من الشهداء بالأمس القريب قوافل الحرية، من إخوتي شهداء كفنوا بثوب الحرية، وهم في قافلتهم يفرشون بيتنا.. وطني الكبير، دروبا لن نرضى إلا أن تكون للحرية مقصد، حتى لو عشش "السارين" في الخالدية خفاشا.. حتى لو كانت البراميل على دوما وحرستا وزملكا وعربين زلزالًا.. حتى لو شقت الصواريخ سماءك من جنوبها إلى شمالها أمطاراً...

رسالتي يا سوريا.. تكاد لا تتسع لأحرفي، فأنا بعد لم أذرف دموعاً على أطفال الخبز في دير الزور، فأنا يا سيدتي مع أم هذا وذاك وتلك الطفلة التي ما زلت أنتظر عودتها إلى البيت، رغم أن حبات الزيتون واللبن لم أتذوق طعمها منذ زمن بعيد، فأنا أنتظر خبز أخي، لكنه لم يعد بعد من فرننا في الحي القريب من بيتنا في مدينتي درايا.. فهل سيغيب طويلًا؟ أم عساها جنة الله تتسع لمئات الطيور؟..

يا حبيبتي، داخل حدودك فقط، تختلف قواعد الحياة الطبيعية التي خلقها الله سبحانه وتعالى، فهنا يمزج الخبز بالدماء، ويصبح الشرف فيها اثنين: الكرامة أولًا أو الشهادة ثانياً.. وقبل أن تشعل النيران في قرميد الفرن، تشتعل بمئات الأبرياء.. كانوا قبل ثوانٍ يقفون في طوابير تمتد ربما لنهاية النهار.. أغلبهم لا يملك قوت يومه، وأكثرهم ينخر البرد القارس عظامهم، ومعظمهم يبيت في العراء، وبينهم من فقد والديه، ومنهم الثكالى والأرامل والشيوخ والمسنون.. وكل هؤلاء ماتوا تحت قصف وابل الصواريخ والبراميل على باب الفرن، يوم أعلن أنه، وفي سوريا فقط، يغمس الخبز بالدماء..

بلدة القصيرة في دير الزور، بالأمس، شاركت حلفايا جارتها، الحزن والمأساة، أبناءها مجدداً تحت نيران القصف، ولكن هذه المرة سبقها الدمار الذي حل في كل بيت، ولم يبقَ حتى حجر على حجر.. لكن كل ذاك لم ينسَ الناس هناك جرح تلبيسة، فما زال الخبز بطعم الدم، وقوافل الشهداء تزف في ربيعنا..

 

حسن العقلة

haloklla@albayan.ae