إذا كان فلاحو مصر قد تحولوا، في هذه المرحلة الشائكة من مسيرتها، إلى صدارة المنسيين في مصر، على الرغم من أن أبناء مصر جميعاً هم في حقيقة الأمر عيال على فلاحيها، فإن العمال المصريين أصبحوا في صدارة المهمشين.
يكفي أن نتذكر في هذا الصدد أن تجمعات العمال الكبرى في مصر، وفي مقدمتها معقلهم الكبير في المحلة الكبرى وفي محافظات بأسرها كالغربية، قد اقترعت بـ"لا" كاسحة على مشروع الدستور، الذي تم اعتماده على الرغم من كل اعتراضات القوى الوطنية المصرية عليه.
الوعي العمالي المترسخ عبر السنين ومراحل النضال، كان هو الذي وقف وراء مواقف هذه التجمعات، فعمال مصر يدركون الحقيقة البسيطة، وهي أن جماعة الإخوان المسلمين ليس لديها حل للوضع الاقتصادي المتأزم في مصر، إلا استحضار السياسات نفسها التي اتبعها نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك، ابتداء من الاعتماد على القروض الخارجية، وليس انتهاء بفرض الضرائب ورفع الأسعار.
هذا الوعي العمالي ينطلق من حقائق أساسية لا موضع للجدل بشأنها، فمصر اليوم تواجه معدل بطالة هو الأعلى على امتداد سنوات طويلة، حيث يصل إلى 12.6%، والجهود التي بذلها المصرف المركزي المصري لتخفيف الضغط على الجنيه المصري والحفاظ على احتياطي القطع الأجنبي، لم تحل دون تراجع قيمة الجنيه، رغم محاولة المصرف الوقوف عند مستوى 6.14 جنيهات للدولار الواحد.
وفي غضون ذلك، فإن قرض صندوق النقد الدولي الذي تم إيقافه، أوقف معه قروضاً أخرى بقيمة 14 مليار دولار، منها 500 مليون دولار من بنك التنمية الإفريقي و320 مليون دولار من ألمانيا.
عمال مصر يدركون أنهم في سبيلهم إلى اصطدام حتمي مع نظام يتبنى رأسمالية ضارية، سيكونون هم أول المطحونين في تروسها الدموية.
وهم يدركون أن ربط الأجر بالإنتاج في الدستور الذي تم اعتماده، هو أمر ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، لأن بوسع أي صاحب للعمل تخفيض الأجر كما يشاء بربطه بعائد مشروعه، وليس بإنتاج العامل الفرد.
أكاد أرى في الأفق من يعكفون على إعداد قانون مواز لقانون «لي شابليه»، الذي كفل البطش بالعمال في فرنسا في إحدى مراحل الثورة الفرنسية. أكاد أرى في الأفق المزيد من التهميش لعمال مصر، وتحويلهم إلى مجموعات مهمشة يجري استنزاف قوتها عبر تحويلها إلى قوة تناضل من أجل قوتها اليومي، ويصل أقصى طموحها إلى تمرير اليوم على خير، وبأقل قدر من الخسائر والكوارث والأضرار.
أكاد أرى في الأفق جهوداً تبذل بالاستعانة بكل الأدوات، لتجريد العمال حتى من صرخة الاحتجاج في مواجهة مستقبل حافل بعناصر المجهول.
وفي غضون ذلك، لا يدري أحد كيف سيعود الاستقرار، وكيف ستبدأ عجلة الإنتاج في الدوران من جديد، وسط كل هذا التخبط والتربص.
وتبقى الحقيقة الناصعة تتحدى محاولات التشويش عليها، ومفادها أن بلداً ينسى فلاحيه ويهمش عماله، لا بد له من أن يراجع مسيرته، لأنه يقينا يتبع نهجاً يجافيه الصواب.