وسط كل ما أثاره الاستفتاء على مشروع الدستور في مصر وما سبقه من انقسام رأسي حاد، ترتبت عليه صدامات مروعة وصلت إلى حد إراقة الدماء، نُسي الكثيرون، ولكن في مقدمة هؤلاء المنسيين من يمكن وصفهم بالجوهر الحقيقي لمصر في كل العصور، وهم فلاحو مصر ومزارعوها.
كل من يعرف مصر حقاً، يدرك أن كل سكانها هم عيال على فلاحيها، كانوا كذلك في فجر التاريخ، وهم كذلك اليوم، وسيظلون كذلك في المستقبل المنظور، ربما إلى أن تحدث تغيرات جذرية في هيكل المجتمع المصري، لا نعرف اليوم شيئاً عنها.
ومن هنا فإنه لا يمكن إلا أن يكون مثيراً للدهشة، بكل المعايير، هذا النسيان حتى لا نقول التجاهل الذي يتعرض له فلاحو مصر. ولمن قد تساورهم الدهشة حيال ما نقوله هنا، نوجه هذا السؤال البسيط: أين هم الفلاحون في مشروع الدستور المقترح؟
الموضوع الأكثر أهمية الذي يذكر فيه الفلاحون في مشروع الدستور، هو ذلك الذي يضمهم مع العمال في الإشارة إلى أن تمتعهم بنسبة الــ50٪ التي كفلها النضال في المرحلة الناصرية، لن يمتد إلا لدورة واحدة، وبعدها ينفتح المستقبل على المجهول.
وفي غضون ذلك تبرز حقائق مذهلة، حول حياة الفلاحين في مصر، فالحكومات المتعددة أهملت مطالبهم، بما في ذلك المطالب الأساسية والمتعلقة بصميم الحياة والوجود، ويكفي أن نتذكر هنا الأسعار المتدنية التي فرضتها حكومات متعاقبة كأثمان لشراء المحاصيل من الفلاحين، وفي مقدمتها أسعار القمح والأرز والقطن، وهي المحاصيل الرئيسية التي يشكل عائدها قوام حياة فلاحي مصر.
من الناحية التاريخية، لم يقدر لفلاحي مصر في التاريخ الحديث بكامله أن يفارقوا أرضهم إلا مرتين، الأولى خلال المراحل التي فرضت فيها الضرائب على الفلاحين كملاذ أخير لسداد الديون، في أواخر عهد الخديوي إسماعيل، والمرة الثانية في أعقاب «انفتاح السداح مداح» الذي تبناه الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، واقترن بضغوط مروعة على كل الفئات الكادحة، وصولاً إلى الطبقة المتوسطة.
اليوم يتم تناسي الفلاحين وتجاهلهم، ومن هنا تأتي تجليات الغضب التي نشهدها في الريف المصري اليوم.
وقد كان حرياً بجماعة الإخوان المسلمين أن تكون في صدر من يدرك ما يتعرض له الريف المصري، باعتبار أنها قد نشأت تاريخياً في ريف الشرقية الحاضن للإسماعيلية، حيث رأت الجماعة النور لأول مرة، وأن ينعكس هذا في السعي لضمان حقوق فلاحي مصر، ولكن النسيان ينداح اليوم تياراً كاسحاً لا يبقي أحداً أمام طوفانه.
في نهاية المطاف، يظل أمام العمال سلاحهم النضالي التقليدي: الإضراب، ليلوذوا به باعتباره نهاية المطاف حقاً، ولكن ماذا عن الفلاحين؟ إنهم ليسوا عزلاً، بدورهم، وسلاحهم هو تمسكهم بأرضهم ووعيهم، ولن يفلح أحد هذه المرة في تشريدهم في آفاق الدنيا، مهما كانت الضغوط.