ربما هي «فوضى خلاقة» بالفعل، بما أننا من أكثر أمم الأرض مرونة واستجابة للمخططات، ورضى بمصير يجلله شعار «ما أشبه اليوم بالبارحة»، في نفي عربي متفرد للتطور التاريخي بقوانينه العلمية.

العنوان كما يتصدر المشهد هو مصر، مصر التي في خاطرنا جميعاً منذ فجر التاريخ المعاصر، وحتى الحاضر الهاصر للقلوب والمحاصر أمل الأمة ومفجر ألمها.

اندلعت ثورة 25 يناير، ومشت في مسار يفترض أنه طبيعي بحثاً عن التوازن، توازن المجتمع والدولة، اللذين لا يحتملان استمرار حالة الفوضى، فضلاً عن احتلال مصر نقطة الربط بين المشرق والمغرب العربيين، ما يعني انفلات المنطقة برمتها. غير أنه لا الثورة مشت ولا المسار كان طبيعياً، بعدما تكشفت خيوط «لعبة الأمم» باختيار الساحة المصرية وغى لتصفية حركات الإسلام السياسي، إلى جانب التقاط سوريا بضربة حظ «مبرمجة» لتكون ساحة تصفية الحركات الأصولية المسلحة.

الدفع بحزب الحرية والعدالة التابع لجماعة «الإخوان المسلمين» إلى واجهة الصفوف والمشهد السياسي، بعد ترددها المريب في المشاركة في ثورة 25 يناير لحظة اندلاعها، أربك المسار برمته، بعدما قدمت الجماعة نموذجاً تفردياً، بل وتسلطياً في الحكم عبر نموذجها في غزة، رغم ما يقال في العموم عن كون الجماعة سياسية أكثر منها دينية.

لا منطقة في الكرة الأرضية مهما كان شكل ونظام الحكم فيها، من بوركينا فاسو حتى الولايات المتحدة، تقبل أن تنخرط جماعة عابرة للحدود، تطرح نفسها شاملة جامعة للكل من إندونيسيا وحتى موريتانيا، أن تنخرط في الحياة السياسية لديها، فما بال الترشح وحكم البلاد، ولنتخيل مثلاً أن تقدم لحكم أي بلد، حركة عالمية تمثل الكاثوليك تروج نفسها ممثلة للعالم المسيحي برمته.

من أجل التكييف القانوني الذي يراعي سيادة الدول، شكلت جماعة «الإخوان» حزب «الحرية والعدالة» في مصر، وكذا نموذجاً في الأقطار العربية الأخرى كـ«النهضة» في تونس و«جبهة العمل الإسلامي» في الأردن، وزجت بهم في المعمعان السياسي، لكن وللغرابة - من دون الفصل التام بين الأصل والفرع، ما حمل معه ازدواجية لا يمكن لأي قاموس سياسي أو سيادي أن يستوعبها.

عندما عادت الثورة لشوارع مصر إثر الإعلان الدستوري للرئيس محمد مرسي، الذي ترشح عن «الحرية والعدالة»، في موازاة انسحاب الأطراف الأخرى من اللجنة التأسيسية للدستور الجديد، وتضمينه مواد مثيرة للجدل، أقلها تهيئة الأرضية لميليشيات دينية، كان أداء حزب الرئيس مخيباً للآمال وانفعالياً، من دون تقديم حجة ومنطق يقنع الثائرين، فكان أن دخلت الجماعة الأم على الخط عبر حشود مضادة على الأرض كانت تنظم استعراض عضلات، إضافة إلى مسارعة مرشدها العام بنفسه، فضلاً عن نائبه، إلى عقد المؤتمرات الصحافية، وإطلاق عبارات التحدي والاتهام.

تدرك الجماعة أن انهيار مشروعها في مصر يعني انهياره في كل المنطقة، ولذا تحتشد بكل قواها في هذه الموقعة، بيد أن الخطر القادم نحوها كما يبدو، ليس من القوى المناهضة، بل من بروز تذمر واسع في قواعدها، ما ينذر بتضعضع الوضع الداخلي، بعد انشقاقين ليسا بالهينين منذ ثورة 25 يناير.