إدارة الأزمات علم له أصوله وقواعده، وقد شهد تطوراً هائلاً مع توالي الأزمات التي عرفها العالم، وبصفة خاصة منذ مرحلة الحرب الباردة وما أعقبها، لكنها تتحول في العالم الثالث إلى شيء مختلف تماماً، يثير في كثير من الأحيان الدهشة، بل والذهول، بطبيعته الصادمة.

الأزمة التي فجرها الإعلان الدستوري الذي أعلنه الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي، لا يمكن إلا أن تكون نموذجاً صارخاً في هذا الصدد، فقد أدى الإعلان على الفور إلى معارضة قوية من جانب الغالبية الكاسحة من الشعب المصري، ممثلة في 38 حزباً وتنظيماً سياسياً، أكدت رفضها للإعلان، بما يكرسه من سلطات لم يسبق لها مثيل تتجمع في يد الرئيس المصري.

وقد انعكس هذا كله على الأرض في صورة تجمعات واعتصامات وصدامات، والخطوة الأولى التي عمدت إليها مؤسسة الرئاسة المصرية في معالجة الأزمة، وهي اجتماع الدكتور مرسي مع أعضاء المجلس القضائي الأعلى، وتأكيد أن تحصين قراراته الوارد في الإعلان يقتصر على القرارات السيادية، بدت محدودة للغاية ومتأخرة جداً.

وفي غضون ذلك، عبر الدكتور محمد طهطاوي رئيس ديوان الرئاسة، عن جوهر العقلية التي تدير الأزمة، بقوله إن الرئيس المصري لن يتراجع «قيد أنملة» عن الإعلان، وذلك على الرغم من أن طهطاوي الذي قدم نفسه للإعلام باعتباره صديق الدكتور مرسي ومستشاره، قد أمضى حياته العملية في وزارة الخارجية، حيث المهارات القصوى للدبلوماسية المصرية في إدارة الأزمات.

وإذا كان جوهر الإعلان الدستوري هو تحصين الجمعية الدستورية، فإن كل متابعي الأزمة قد جوبهوا بقيام الجمعية بـ«سلق» الدستور وتجهيزه في يومين لا غيرهما، لتقديم مسودته للرئيس تمهيداً للاستفتاء عليه، في ظل الآليات المعروفة لعملية الاستفتاء في مصر.

هكذا فإن أهم ثماني مواد في الدستور، والتي كانت مثاراً للخلاف وأدت إلى انسحاب الكثير من أعضاء اللجنة، قد تم صوغها في سويعات قلائل، وعلى نحو محموم، وفي غياب جانب لا يستهان به من القوى الوطنية المصرية.

وبالتوازي مع ذلك، بدأت القوى المؤيدة للرئيس المصري، والمتمثلة أساساً في جماعة الإخوان المسلمين، في استعراض عضلاتها، بداية من التجمع للاستماع لخطاب د. مرسي أمام قصر الاتحادية، وليس انتهاءً بالإصرار على الحضور، في شكل أقرب ما يكون إلى الميليشيات، في أكبر ميادين مصر وأهمها.

دعنا نقارن هذا الذي يجري في ما يتعلق بالدستور المصري، بالسنوات التي أمضتها جنوب إفريقيا في إعداد دستورها، ودعنا نتساءل: هل الدستور وثيقة توافقية أم أنه نص يسلق ويفرض باستعراض القوة في الميادين؟

دعنا أيضاً نتمنى أن تجد مصر في عقلائها، وهم كثيرون، من يبادر في لحظة تاريخية تتدارسها الأجيال، إلى التوصل لإبعاد مصر عن حافة الهاوية، حتى ولو كان ذلك في اللحظة الأخيرة.