من أوضح صور تمازج المأساة بالملهاة، هو ذلك الكاريكاتير الذي يصور مقعداً للرحلات بعيداً عن مدرج ومنصة قاعة الأمم المتحدة مع منظار لمراقبة ما يجري، في تصوير جزافي لفوز دولة فلسطين بصفة عضو مراقب في المنظمة الدولية.
وعلى ما في هذا التصوير من مبالغة في التهوين من أهمية الخطوة وتوابعها، إلا أنه يرش بعض الملح على الجرح، جرح القضية المركزية في الشرق الأوسط، التي تحمل فاجعة شعب يخضع لاحتلال استيطاني إلغائي هو الوحيد من نوعه في العالم، بمعنى قصر كلمة احتلال في القاموس الدولي على فلسطين.
الخطوة هذه متواضعة جداً، قياساً إلى موازين العدالة الدولية والحق ومبادئ شرعية الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، ولكنها في النهاية إضافة مهما كانت صغيرة في مسيرة حشد أوراق الضغط الفلسطينية. والأهم هو استعادة مكانة هذه القضية التي طمست خلف أجندة انشغال القوى الكبرى والشعوب العربية في مدخلات ومخرجات "الربيع العربي"، والخارطة السياسية الجديدة التي تتشكل في المنطقة.
بات في وسع السلطة الفلسطينية الآن، التقدم بطلب الانضمام إلى المنظمات التابعة للأمم المتحدة، مثل مجلس حقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم (يونيسكو)، والأهم بالتأكيد هو المحكمة الجنائية الدولية.
تكمن هذه الأهمية في تزامنها مع أخذ عينات من رفات الزعيم الراحل ياسر عرفات، بعد ظهور دلائل قوية على تسميمه بمادة البولونيوم القاتلة، فإذا ما ثبت هذا الأمر في نهاية التحليلات الجارية، بات في وسع السلطة الفلسطينية جر إسرائيل إلى الجنائية الدولية بتهمة اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل.
ولا يعني الكثير في لغة السياسة التطمينات المجانية المبكرة التي أطلقها الرئيس محمود عباس، بأن سلطته ستلجأ إلى هذا الخيار فقط حال حصول اعتداء إسرائيلي على الشعب الفلسطيني، من مثل تكرار العدوان على قطاع غزة، وهو ما يهيئ أجواء المصالحة مع حركة "حماس" ويضيف إلى جهود خوض المعركة السياسية بصف موحد.
نعلم جيداً أنه لا جدوى للخطوات والبادرات المجانية مع دولة مثل إسرائيل، لكن رمزيتها تكمن في الإظهار للعالم حسن نوايا الفلسطينيين من وراء خطوة طلب عضوية المراقب، كما قال عباس إنها لا تستهدف أحداً، رغم غرابة هذا الأمر وشرعية أن يستهدف الخصم سياسياً، ما دامت العلاقة الحاكمة بين الطرفين هي الصراع.
لكن بين صرخات الفرح في عموم المناطق الفلسطينية، برزت أصوات خافتة عما قريب سترتفع بالتأكيد بعد انجلاء غبار الاحتفالات، تقرع جرس إنذار لا يمكن تكميمه: احذروا من اختصار النزاع بين دولة الاحتلال والشعب الفلسطيني الخاضع لهذا الاحتلال أو في منافي تشرده، لمجرد نزاع حدودي بين ما يشبه الدولتين، مع ما يحمله ذلك من مخاطر انمحاء منظمة التحرير؛ الإطار الجامع للفلسطينيين أينما وجدوا، وتالياً ارتباك وربما ضياع مفهوم حق عودة اللاجئين.
هذا يتطلب في معرض حشد أوراق الضغط، أوسع حملة فلسطينية في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة وكل الشتات، للالتفاف حول شعار تفاوضي واضح: دولة على حدود 67 وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين.