اعتادت الإدارة الأميركية على أن تدلي بدلوها كلما لاحت فوهة البئر إبان الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، ولكم أثارت الانتقادات حين كان يقدم على خطوة ما "تمس الحريات ومبادئ الديمقراطية"، لكن اتجاه الريح تغير تماما وفرغ بئر التصريحات مع التحالفات الجديدة والعجيبة.
أهي مصادفة أم أن مسار الأحداث هيئت له الظروف لكي يسير في هذا الاتجاه؟
للمرة الثانية في غضون بضعة أشهر تحل وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في القاهرة، وسيطا ضاغطا هذه المرة لإحلال الهدنة بين حركة "حماس" وإسرائيل، نجحت هذه الوساطة ونجح معها الرئيس المصري محمد مرسي وجهازه المخابراتي، في الإعلان عن عودة الدور المصري على الساحة الفلسطينية، وحجز مكان متقدم على خريطة القرار الإقليمي.
وما كادت مصر ترفع رأسها منتشية بعودة دورها الخارجي، حتى رزحت مجددا تحت تداعيات المعترك الداخلي، ما بين مظاهرات مؤيدة وأخرى معارضة للإعلان الدستوري الحديث للرئيس المصري و"تحصين" قراراته ضد النقض، في مبارزة جديدة مع المجلس القضائي الأعلى.
هل هي اجتهادات خاطئة أم هي التوق المخبوء لدى جماعة "الإخوان المسلمين" للتفرد بالسلطة؟
ربما كلاهما، لكن البادي من المجريات هو وقوع "الجماعة" في فخ تكبيل جديد لدورها، عبر حصر هذا الدور الإقليمي المصري في مسألة التهدئة في غزة فقط، وجر "حماس" من الحلف الإيراني بعد انفكاكه مع سوريا.
في المرة الأولى، نجح مرسي في تهميش الحرس القديم في المجلس العسكري الذي سلمه السلطة على مضض، والآن بدأت معركة كسر عظم بين مرسي والمجلس القضائي.
وعلى أنه لكل مبرراته المقنعة - كدأب الخلافات المعقدة والمزمنة - إذ إن من حق الرئيس المصري أن يبادر إلى جراحة مؤلمة لوقف حالة الميوعة الداخلية، وعدم إحراز أي تقدم في العملية الديمقراطية، وصياغة الدستور تمهيدا للانتخابات التي سترسم وجه وقلب مصر الجديدين، إلا أن منبت الدهشة في القرارات الأخيرة كان "تحصين" قرارات الرئيس.
في العرف الأميركي يسمى هذا لي عنق الديمقراطية، عبر محو الفصل بين السلطات ومصادرة استقلال القضاء الضامن الوحيد حاليا لعدم تغول السلطة التنفيذية في ظل تعطل عمل البرلمان، لكن واشنطن صمتت ولم تبد أي رد فعل، فهل يربض صناع القرار الأميركي شامتين في انزلاق "الإخوان" في معمعان جديد يأملون أن يقضم حصة جديدة من جماهيرية الجماعة وإظهارها بعيدة عن المشاركة السياسية وقبول الآخر؟
تظهر هذه المغازي جلية عبر لجوء الجماعة إلى الشارع بحشد المظاهرات، ما يعني ترسيخ مبدأ انفجاري جوهره "ديكتاتورية الغالبية"، التي أسست للأنظمة الشمولية والتي كانت عنوانا للاستبداد.
على الجماعة وغيرها عدم نسيان "الذاكرة الأميركية القصيرة"، التي تتعامل مع التحالفات بمنطق الليمونة المعصورة فقط، والالتفات جديا إلى بناء مصر الجديدة، بعيدا عن أخطاء الماضي، أو إعادة إنتاجها، وعلى أساس الحرص على إشراك أوسع تحالف داخلي في رسم معالم المستقبل.