كل من ارتاد معرض الشارقة للكتاب، في دورته الحادية والثلاثين التي انتهت فعالياتها أخيراً، لابد أنه قد خرج منه وقد ظفر بكتاب أو أكثر يرى فيه كنزاً، طالما سعى إليه طويلاً ليظفر به أخيراً، سواء أكان هذا الكتاب الكنز قاموساً أو مرجعاً أو عملاً بحثياً أو غير ذلك.

ولم أكن استثناء من هذه القاعدة، فقد وجدت نفسي أخرج من المعرض بكنز مزدوج، طالما سعيت إليه في السابق، من دون أن يكلل هذا السعي بالتوفيق، إلا في غمار فعاليات المعرض، وربما بفعل الصدفة أو الحظ الطيب.

هذا الكنز المزدوج الذي أتحدث عنه يتألف من كتابين، حرصت على الحصول عليهما، في غمار دفق من الكتب والمراجع احتجت إليه في إطار عكوفي، منذ سنوات عدة، على تأليف كتاب «معجم مصطلحات الموت»، الذي يعد أول مصنف من نوعه باللغة العربية.

الكتاب الأول، في هذا الكنز المزدوج هو كتاب «كشف المحجوب» لأبي الحسن علي بن عثمان الهجويري، الذي يقع في مجلدين، أصدرهما المركز القومي للترجمة.

هذا الكتاب، كما هو معروف، تم تأليفه باللغة الفارسية، ومن ثم ترجم إلى العربية، وهو يعد أقدم المؤلفات الصوفية في لغته، وهو يناظر من هذه الناحية كتاب «اللمع» في اللغة العربية، وإن كان الهجويري قد اعتمد على الأعمال العربية التي سبقته، مثل «اللمع» و«طبقات الصوفية» و«الرسالة القشيرية».

وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة لـ«الكشف»، والتي تجلت في استفادة الكثيرين من المصنفين في التصوف منه، وفي مقدمته فريد الدين العطار في كتابه «تذكرة الأولياء»، فإن ثماني صفحات فيه كانت شديدة الأهمية بالنسبة لي، وأحسب أنها كذلك بالنسبة للكثير من القراء، وهي التي تضم ما قاله الهجويري ونقله عن المشايخ في معرض الحديث عن الروح.

أما الجانب الثاني من هذا الكنز المزدوج فهو «معجم المصطلحات الصوفية»، وقد اعتبرت توفيقي في العثور على نسخة منه بمثابة عثور على كنز، لأن هذا المصنف الثمين الذي أنجزه الشيخ الدكتور أنور فؤاد أبي خزام، وزصدرته مكتبة لبنان، قد نفدت طبعته، ولم يعد له وجود إلا في أيدي القراء، الذين يعرفون قيمته، وبالتالي لا يفرطون فيه، ولا يفارقونه ولو بالإعارة قصيرة المدى.

وعلى الرغم من أن معالجة المصنف لمادة الموت عند الصوفية تقع في أقل من صفحتين، إلا أنها مادة ثمينة حتماً، ويكفي أن نشير إلى جميل ما قاله التهانوي من أن الموت هو الحجاب عن أنوار المكاشفات والتجلي، وما قاله الجرجاني من أن من مات عن هواه فقد حيى بهداه.

ولست أشك في أن السعادة التي تغمرني، وأنا عاكف على هذا الكنز المزدوج، تخالج الكثيرين من رواد هذا المعرض الرائد، وهم يقرؤون كنوزهم الخاصة التي ظفروا بها، فهنيئاً لهؤلاء القراء السعداء بما يقرؤون.