في عام 2008، استقبل الكثيرون على امتداد العالم العربي فوز المرشح الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأميركية باراك أوباما بكثير من التفاؤل والابتهاج، فقد توقعوا أن يسفر تطبيق شعار «الأمل والتغيير» عن انحسار الظل الطويل والكئيب لسياسات الرئيس الأميركي جورج بوش التي تصدرها القول بـ«الصدمة والرهبة» عن حياتهم.

اليوم، وفي أعقاب فوز أوباما بفترة رئاسة ثانية، فإن أول ما يلفت النظر هو أنه لا يكاد يكون هناك رد فعل يذكر في الشارع العربي على هذا الفوز، حقاً إنك سوف تجد من يقول إن أوباما يظل أقل في السوء من منافسه الجمهوري، الذي حمل لدى زيارته للمنطقة حشداً من الإهانات للفلسطينيين، وجهلاً مروعاً بتاريخ قضيتهم، ولكن الأمر الجوهري هو أن بريق شعارات من نوعية «الأمل والتغيير» قد انحسر، بشكل نهائي.

هذا الغياب لرد فعل ملموس من جانب الشارع العربي حيال فوز أوباما، قد يتصور البعض أنه راجع إلى أن الرئيس الأميركي قد شهدت فترته الأولى أعلى مستوى على الإطلاق في توظيف للطائرات الموجهة عن بعد في القتل العشوائي للمدنيين على امتداد العالمين العربي والإسلامي. البعض قد يتصور أن هذا الغياب راجع إلى أن أوباما قد برهن على أنه أكثر الرؤساء الأميركيين دعماً لإسرائيل بمختلف الأشكال منذ إعلان دولتها.

البعض قد يتصوره غياباً راجعاً إلى المواقف القائمة على التضارب والتناقض والانتهازية من جانب واشنطن، في ظل رئاسة أوباما، حيال دول الربيع العربي.

البعض قد يرى هذا الغياب مرتبطاً بالسكوت الأميركي المتواطئ عن شلال الدم المنهمر في سوريا، والذي لا تبدو له نهاية في الأفق.

لكن إذا توقفنا بالتأمل، حيال هذا كله، فإننا لا يمكن إلا أن نرى أن غياب أي رد فعل يذكر في الشارع العربي حيال فوز أوباما، مرده في حقيقة الأمر إلى موقف هذا الشارع، بأمه وأبيه، من أميركا، فهناك إدراك بالغ العمق للحقيقة الواضحة، وهي أن أميركا ليس لديها حلول كبرى بمشكلات الشرق الأوسط.

كيف يمكن لأميركا أن تسعى إلى مثل هذه الحلول وهي التي أوجدت مشكلات المنطقة في الجانب الأعظم منها، ولاتزال سياساتها تعمق كل هذه المشكلات مع مطلع شمس كل يوم؟

لهذا بالضبط فإن الشارع العربي يدرك أنه في السنوات الأربع المقبلة ستكون أولويات أوباما متعلقة بإنقاذ الاقتصاد الأميركي، على حساب السياسة الخارجية، وإذا أتيح لهذه السياسة أن تحظى بجانب من اهتمام البيت الأبيض وباقي المؤسسات الصانعة للقرار الأميركي، فإن ذلك لن يحمل إلا الويلات لكثيرين على امتداد العالمين العربي والإسلامي، لن يحمل لهم إلا اليأس والجمود.

لقد عرفت أجيال عربية أميركا من خلال كتب من نوعية «أميركا الضاحكة». ولكن أجيالاً أكثر عرفتها من خلال الأشلاء والدماء والدموع. ويا لها من معرفة!