يوم أمس 12 نوفمبر، حلت ذكرى وفاة أو اغتيال الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. فكما هي القضايا الكبرى ترتبط دوماً في الذهنية البشرية برمز ما، فإن رحيل عرفات كان علامة فارقة في التاريخ الفلسطيني؛ في ظلها تراجعت مركزية القضية الفلسطينية إلى وقت الفراغ الدولي، إلى جانب انشقاق هو الأقسى، فضلاً عن غياب تام لأي استراتيجية مواجهة مع تغول الاستيطان، أو حتى استعادة مكانة القضية التي كانت توصف بالمركزية في الشرق الأوسط، و«بزوغ فجر السلام أو الحروب من فلسطين» كما كان يطيب للراحل التذكير كل آن.

غير أن ألم المناسبة هذه يتركز أكثر في ملابسات اغتياله الصامت، وهو الذي شغل العالم ضجيجاً وأضواء إبان حياته.

فرنسا جاك شيراك بالتأكيد مسؤولة عن هذا الصمت المريب، وهو ما يتأكد في الخلاف الناشب حالياً مع السلطة الفلسطينية بشأن أسئلة جوهرية في هذه الجريمة، وهي الأسئلة التي تدور حول الموقف المحير للحكومة الفرنسية، وأدائها الأقرب للتستر على شيء ما خلال استضافتها الراحل الكبير في أواخر أيامه في مستشفى بيرسي العسكري.

وهذه الصفة العسكرية تفترض دقة وحزماً وإجراءات صارمة، غاب عنها ــ للغرابة ــ أبسط قواعد الطب الشرعي الخاصة بتشريح الجثة، فما البال بإهمال أو إتلاف عينات الفحص!

إذاً، كيف استنتجت أدمغة فرنسا الطبية أن لا شبهة وراء وفاة عرفات، والاكتفاء بالتلطي وراء سبب غامض، من دون وجود أي أثر له في الدم، ليفاجأ العالم بأن تحقيقاً أجرته قناة «الجزيرة» بمساعدة مختبر سويسري، أثبت وجود المادة القاتلة في جسد الزعيم الراحل.

إن سئل طفل في أقاصي الأرض عما إذا كانت «الجزيرة» تمتلك مهارة مهنية وحرفية متخصصة أكثر من مستشفى بيرسي العسكري الفرنسي الشهير، لأجاب حتماً بالنفي.

الخلاف الفرنسي الفلسطيني الناشب على إجراءات نبش رفات الراحل للتأكد من نتائج المختبر السويسري بعد تدخل القضاء الباريسي، يزيد الصورة ارتياباً، في ظل عدم مبادرة السلطة الفلسطينية إلى خطوة استباقية نحو الأمم المتحدة لإجراء تحقيق دولي في هذه الجريمة، لا رهنها بالمزاجية الفرنسية، بل والأنكى إسناد هذه القضية إلى لجنة فلسطينية أعلنت إفلاسها سلفاً بالقول: إنها لا تمتلك إمكانات «الجزيرة»!

وحتى من باب الاستثمار السياسي وحشد أوراق الضغط، كان أولى بالسلطة الفلسطينية الإلقاء بكل ما تبقى من ثقلها وراء هذه المعركة الحاسمة، لجر إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية، وحشرها في زاوية أصعب كثيراً من تلك التي حشرتها فيها شرطة دبي إبان اغتيال المبحوح القيادي في حركة «حماس».

ذكرى رحيل عرفات ليست بالهينة، ولا سيما في ظل حاضر فلسطيني عاجز أمام النهب اليومي لما بقي من أرض في الضفة الغربية وعزل القطاع في جيب أصولي، علاوة على الهوية الحائرة بين سلطة مفلسة أو احتلال خجول.

مساءلة فرنسا واجبة لدورها في هذه القضية، ولا سيما أن في تاريخها ما لا يقل مأساوية عن وعد بلفور، بتسليحها دولة الاحتلال الإسرائيلي بمفاعل ديمونة النووي في العام 1957، وربما هو الذي أنتج المادة النووية التي قتلت عرفات..