قالها متهكماً في إحدى خطاباته عن إمكانية امتداد «الربيع العربي» إلى الساحة الفلسطينية: «لا حاجة للتظاهرات.. فقط فاكس أو رسالة نصية قصيرة ونتنحى!». غير أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس لم يتخذ أي إجراء حين خرجت الجماهير إلى الشارع احتجاجاً على رفع الأسعار وعدم صرف الرواتب، ورغم ارتفاع المطالبات باستقالة الحكومة، إلا أن شيئاً لم يتغير سوى اضطرار حكومة سلام فياض للتراجع عن قرار رفع الأسعار.
ومع العلم بأن سلام فياض من أنجح القيادات التكنوقراط التي حاولت بجد مأسسة حراك المجتمع الفلسطيني نحو دولته المنشودة، بدلالة التحذيرات الإسرائيلية المتوالية من أن فياض ينتزع الدولة الفلسطينية تدريجياً ومن دون أي رصاصة. رغم هذا كان على القيادة الفلسطينية في الضفة مواجهة الأسئلة المصيرية الملحة، واتخاذ إجراءات بشأنها، مهما كانت الخطورة في ظل التهميش المهين الذي تتعرض له القضية الفلسطينية ومركزيتها على سلم أولويات المجتمع الدولي وحتى العربي.
أولى هذه الأسئلة: لماذا بات الحائط الفلسطيني «أوطى» من أن تلقي له إسرائيل بالاً خلال تجوالها الحر والسلس في مناطق الضفة الغربية التي حار العالم في تحديد هويتها حالياً: هل هي محتلة أم تنعم بعلم السلطة الفلسطينية المستقلة؟ بل إن الأشد هي تلك الجرأة الصهيونية غير المسبوقة بإعلان هوية قاتل خليل الوزير (أبو جهاد) وتفاصيل عملية اغتياله في تونس، وهو الذي كان يلقب بـ«أبي الانتفاضة الأولى». زد على ذلك لامبالاة الحكومة الإسرائيلية بملف اغتيال ياسر عرفات وتوجيه أصابع اتهام مخبرية إليها بتسميمه في انتظار إخراج الرفات والفحوص مطلع هذا الشهر؟
أي تحرك سياسي أو مقاوم على الأرض تتبناه السلطة الفلسطينية خلا الحركة السلحفائية في الأمم المتحدة، لجهة انتزاع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، أو كلما اشتدت الأزمة المالية الداخلية واتسع عجز الميزانية تطلق بعض منابرها تهديدات مكرورة بحل السلطة الوطنية ورد المسؤولية على عاتق دولة الاحتلال.
ثم إلى أين تقود الشعب الفلسطيني المماحكات الفصائلية المعتادة، والتي ازدادت حدتها داخل حركة «فتح» نفسها إبان الانتخابات الأخيرة لجهة تنافس أجنحتها وتياراتها، وما الحكمة أيضاً في إجراء هذه الانتخابات أصلاً إن كان المواطن الفلسطيني يحلم بنصف راتب كل ثلاثة أشهر.
كذلك ملف المصالحة مع حركة «حماس» التي بات استيلاؤها على قطاع غزة أمراً واقعاً، بعدما تغيرت ولاءاتها الخارجية مع الحفاظ على دفوقات الدولارات. بقي هذا الملف رهن جمود مريب على قاعدة إبراء الذمة كلما أظهرت «حماس» إشارة إلى تمتعها بميزات الوضع الراهن، الذي يعطيها قصب سبق معتبر لحكم «الإخوان المسلمين». أي ملف بات في وسع السلطة الفلسطينية التعامل معه بحرفية على الأقل لا بعد نظر مأمول؟
بات الفلسطيني وقضيته في ذيل سلم أولويات المجتمع الدولي، ولا بد من وصفة معجزة لإعادته مجدداً إلى مركزية القضايا الإقليمية، من المشكوك فيه امتلاك «السلطة» لها، وتالياً فإن البحث عن بديل بات محتماً حتى ولو كان حل هذه السلطة، وليس التهديد المطاطي بذلك.