صدق من قال منذ البدء بـ"خريف الاستبداد" لا "ربيع العرب"، فالفارق المعنوي شاسع ومريع في حقيقته. عندما يقف الجنرال السوري "الأسدي" على تخوم إحدى مدن بلاده، وفي مقابله ضابط سوري "حر"، يتفحصان ما تبقى من صمود في عروقهما خلال "هدنة العيد"، ويقيسان المسافة بين قذيفتين، تنحسر كل أدبيات الثورة التقليدية، وكل تحليلات الساسة المخضرمين، وكل تسريبات دوائر الاستخبارات، تختفي كلها أمام طابور الخبز الذي ينتظر القذيفة في أي لحظة، وبالطبع لا لون يسود في هذا "الربيع" سوى الأحمر.
هي ليست مساواة بالطبع بين جنرال لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلا لوحشيته ولا إنسانيته، وبين ضابط ثار على قتل شعبه فاصطدم بمعادلات كونية ترتسم على أرضه وجثث أطفالها، لكنه في دخيلته أجبر الجلاد الأسدي على الاعتراف وفضح اكذوبته: كيف يقبل نظام بشار الأسد هدنة مع "عصابات إرهابية"؟!
المشهد ذاته يرتسم في أكثر من ساحة عربية، بعضها بقليل من الدم، والبعض الآخر بمماحكات قاتمة، لكنها في النهاية تحشد الكثير من الغيوم الرمادية التي لا تبشر بأي خصب "ربيعي".
حكم "الأخوان" في مصر والمغرب وتونس وغزة لم يش للحظة بمستقبل أكثر ازدهارا من "حقبة الاستبداد"، لأن الجماعة هذه لم تستطع كبح نهمها التواق للاستحواذ على السلطة رغم محاولات "ديكورية" بدائية بشأن المشاركة مع قوى أخرى في أطر غير مؤثرة من عيار مجالس استشارية رئاسية . وما احتجاجات تونس المتوالية والمغرب الموسمية، سوى استفتاء جماهيري على مستوى اليأس والإحباط من مرحلة ما بعد الثورة التي كانت واعدة بشعارات الخبز والحرية والقضاء على الفساد والاستبداد.
وما لم يدرك العقل العربي البسيط أن الاستبداد ليس مقصورا على حزب أو طغمة عسكرية بل يشمل "الجماعة" أيضا فإن الآمال تبقى رهن مسامات الغربال، ولنا في غزة مثال. ماذا يريد الغرب من قطاف "الربيع العربي" المشتهى، سوى خفض كلفة دعم الاستبداد السالف؟ وتالياً بقاء البنى السياسية والاقتصادية والقضائية بل والعسكرية على حالها، لتتحول "الثورات" إلى شكل من أشكال التمرد الاجتماعي الفوقي فقط.
لا ضير في ذلك، فمراحل نضوج الوعي العربي احتجبت خلف تقاليد سياسية جدارية لا كوة فيها، وهناك فرصة في الأفق لبدء هذا النضج حال التخفيف على الأقل من مستوى الفساد، ومطالعة برنامج رئاسي مختلف كل فترة دستورية، لكن الشرط الأساسي هو أن يطور المجتمع نفسه آليات عدم النكوص للوراء عبر تفعيل واجتراح منظماته الأهلية المدنية واستهداف الوعي العام بحملات الحقوق والواجبات.
فضلًا عن أطر الرقابة الشعبية. هي ليست دروساً ثقافية بالتأكيد، بل مرحلة تأمل في برهة فاصلة بين القذيفة والأخرى في سوريا، ولا سيما أن كل شواهد الكون تقول بأفول الأسد ونظامه عاجلًا أم آجلاً، ليتبقى السؤال: أي ثمن يعدل ما دفع من دم ولوعة؟
لا خير في ما هو قادم ان لم يستطع مسح آلام الفائت، والإضافة على الموجود وزرع ذكريات خضراء في طريق البناء الطويل.