منذ البدايات المبكرة للتنوير في عالمنا العربي، حرص الرواد الأوائل على تأكيد العلاقة الوثيقة بين الصحافة والوعي الاجتماعي بعامة، والوعي السياسي على وجه التحديد، حيث كانوا ينظرون إلى بلورة الوعي الجمعي باعتبارها مهمة لابد من انجازها، إذا أريد للتنوير أن يصل إلى مداه، ويحقق أهدافه لأمة طال تعرضها للاحتلال والظلم والطغيان.

هذه الرؤية، في واقع الأمر، كانت امتداداً لحركات تنوير عديدة أخرى، ترددت أصداؤها في مناطق شتى على امتداد العالم، مشكلة الحضور القوي والملموس لقوى التنوير والتحديث.

لكنها، كما نعلم جميعاً، لم تكن وحدها على الساحة، ولسوف تمضي الأمور وصولاً إلى مرحلة لا يتردد معها منظرو الفكر الفاشي، على نحو ما تجلى بصفة خاصة في ألمانيا وايطاليا وأسبانيا واليابان، في الخلط بين الإعلام والدعاية.

هذا يقودنا إلى التوقف عند الدور الذي لعبه الإعلام العربي في التمهيد لتطورات الربيع العربي ومواكبة أحداثه، فقد حولت أنظمة عربية عديدة الإعلام العربي من أداة لتكريس الوعي وبلورته إلى أداة لتزييف الوعي، وانتاج الوعي الشقي، وقلب الحقائق، وتزييف الوقائع.

من هنا، على وجه الدقة، جاءت التغييرات الواضحة التي تعرض لها الإعلام في دول الربيع العربي.

ولكن خلافاً لما نتوقعه من عودة الإعلام في ظل دول الربيع العربي إلى دوره الأصيل في بلورة الوعي وتأصيله، فإننا نواجه اليوم تغيرات لم يكن أحد يتصورها.

يكفي أن نلقي نظرة على ما يجري في الإعلام في تونس ومصر، على سبيل المثال، لكي ندرك أن الإعلام أبعد ما يكون عن الدور الذي نتوقعه منه في المشاركة في مسيرة العمل الوطني هناك.

ونتساءل: لم لا تزال أجهزة الإعلام والصحافة في مصر خاضعة للجهة نفسها التي كانت تتولى إدارة دفتها في ظل النظام السابق؟

ولنمضي في التساؤل: لم تتعرض القيادات الإعلامية للتعامل معها بشكل تعسفي يصل إلى حد الفصل بالمخالفة للقانون واللوائح المعمول بها نقابياً؟

في مواجهة علامات الاستفهام هذه وغيرها كثير، لا نملك إلا القول إن الإعلام مرآة صافية تعكس حركة المجتمع، ولهذا بالضبط فإنها تبدو أمامنا مرآة أبعد ما تكون عن الوضوح والصفاء.

إن جهوداً كثيرة ينبغي أن تبذل، لكي تنتقل بلاد الربيع العربي من التمزق والتداعي والانهيار إلى مرحلة العودة إلى البناء والانتاج، وحين يحدث هذا فقد نجد أمامنا إعلاماً ينخرط في إعادة البناء أيضاً، بعيداً عن الفوضى والاضطراب.