على غير عادته، تضطر "وحوش" البحر صانع السجاد المتأني بطبعه، إلى تعجيل عجلة النول والتخطيط لـ"حياكة استباقية".

منذ حشود حاملات الطائرات وتواتر التقارير الأميركية عن شهور قليلة جداً تفصل إيران عن القنبلة النووية، ومنذ المناورات السياسية الإسرائيلية المعنونة بتذاكي بنيامين نتانياهو، في محاولة لجر الولايات المتحدة إلى الحرب على طهران، أعدت الأخيرة أيضاً خططها، لكن على الطريقة الأميركية هذه المرة لتشويش الخصم.

شهر ونيف على عودة تنشيط المخططات الأميركية، عندما يتسلم الرئيس الجديد-الجديد أو الجديد القديم مقاليد البيت الأبيض، هذا الشهر حاسم جداً لإيران التي تدرك تماماً أن العقوبات خلفتها على شفير كارثة داخلية، استدعت بدايات حراك معارض هذه المرة بقيادة طبقة التجار "البازار"، التي عانت من التهميش السياسي والإبعاد القسري عن مواقع صنع القرار، والأهم أن القيادة الإيرانية تدرك أن في وسع الولايات المتحدة وبعض حلفائها توجيه ضربة قوية لها إن استدعى الأمر، وعلى هذا سعت إلى الإمساك بزمام مبادرة تجعل مهمة "العم سام" شبه مستحيلة، عبر توسيع دائرة الصراع والخطر.

الحرب على أرض الغير، اختبرتها إيران سابقاً (في لبنان وأفغانستان)، في محاكاة تقليدية للسياسة العسكرية الأميركية، وهي وصفة صالحة على ما يبدو للقيادة الإيرانية لإبعاد مدى النار عن أراضيها، مع محاولة توسيع أطراف النزاع وضم عناصر مختلفة، على نحو يعيد بدايات حرب باردة كونية جديدة، وما تحمله من خطوط حمر تجعل مفاعلات طهران وناتنز في منأى عن الضرب.

اعتراف القيادة الإيرانية بوجود قوات من الحرس الثوري في سوريا، إضافة إلى مد نظام بشار الأسد بعشرة مليارات دولار على مدى السنة ونصف السنة من عمر الثورة السورية، يعنيان إلقاء طهران بكل ثقلها، ليس حباً في بشار، ولكن لتمكين نظامه من الصمود، بل وإلقاء حمم النار إلى خارج حدوده مقرونة بقنابل قادرة على إشعال الإقليم.

في هذا السياق فقط، يمكن فهم مناوشات جيش الأسد لجر تركيا وربما الأردن أيضاً إلى الحرب، مع ما يعنيه ذلك من تحويل القضية من ثورة داخلية إلى حرب إقليمية، تتبلور حيالها المعسكرات الدولية وتطل الحرب الباردة مجدداً من ثناياها، في ظل التشدد الروسي والمساندة الصينية.

وفي المقابل، يرزح الاتحاد الأوروبي تحت ثقل أزمة اليورو، بينما الولايات المتحدة ما زالت تئن من وطأة الأزمة المالية العالمية، التي جعلت في مقدورها توجيه عدد من صواريخ كروز كما حدث في ليبيا، لكن ليس المغامرة بحرب إقليمية تحمل مخاطر الصفة العالمية لاحقاً.

القفز إلى الأمام واللعب على ملعب الغير، هما عنوانا السياسة الإيرانية العسكرية والأمنية في الراهن الحرج، من دون الالتفات إلى التسريبات الحالية عن اتفاق سلام أنجز بين نتانياهو وبشار أجهضته الثورة السورية، لأن كل ما يهم القيادة الإيرانية تجاه الحليف الأسدي، هو أن يبقى درعاً لصد ما يحاك.