تحكي لنا الأساطير الإغريقية أن برومثيوس كان محباً للبشر للغاية إلى حد أنه لم يتردد في سرقة النار وتقديمها هدية للبشر، ليمنحهم بهذا النور الدفء للأبد، فعاقبته الآلهة بتقييده في الجبال بالسلاسل، ليأتي نسر هائل كل صباح لينهش كبده، الذي يعود ليتجدد ليتم نهشه في صباح اليوم التالي.

هذه الأسطورة تمر بخيالي، كلما تذكرت المؤرخ والمفكر العملاق إريك جون إرنست هو بسباوم، الذي رحل عن عالمنا، قبل أيام قليلة، فالرجل حقاً اختطف التاريخ من دوائر النخبة وأبراجها العاجية ومعاقل الأكاديمية البريطانية الصارمة، ليعطيه للناس البسطاء، عبر عمر بكامله أمضاه في محاولة تفسير التاريخ الاجتماعي، منذ قيام الثورة الفرنسية في 1789 وحتى اليوم.

وهو جهد هائل يقع في 30 كتاباً أبرزها مجلداته الأربعة الشهيرة التي تبدأ ب «عصر الثورة» وتنتهي ب «عصر التطرف». أما حسابه في الآخر فعند ربه، ويكفيه أنه ظل حتى الأيام الأخيرة من أعوامه الخمسة والتسعين يكدح من أجل البسطاء، الذين آمن بقضيتهم.

من المحزن أن هوبسباوم، الذي ولد في الاسكندرية، بالمناسبة، عام 1917، لم يترجم من كتبه الثلاثين إلا القليل إلى لغتنا العربية، وربما كان أقرب مفكرينا إلى انجازه هو المغفور له بإذن الله تعالى، دكتور جمال حمدان، الذي خطف الجغرافيا من ساحات النخب المثقفة، وأعطاها للبسطاء، عبر موسوعته العظيمة «عبقرية مصر».

لم يكتف هو بسباوم بعمله، الذي لم ينقطع عبر ساحلي الأطلسي في المحاضرات والتدريس والكتابة، وإنما كان رجل حركة سياسية بامتياز، وظل قادراً على العمل السياسي في أرفع تقاليده بالتعاون حتى مع أشد مخالفيه في الرأي إيغالاً في الاختلاف.

لم يكن من قبيل الصدفة أن يتصدر رحيل هو بسباوم الصفحات الأولى للصحف البريطانية والأميركية، وليس من فراغ أن يقول عنه إد مليباند، زعيم حزب العمال البريطاني، إنه: «مؤرخ فذ، ورجل شديد الحماسة لمواقفه السياسية».

رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وصف هو بسباوم بأنه: «عملاق التاريخ السياسي التقدمي، ورجل أثر في جيل بأسره من القادة السياسيين والأكاديميين».

المؤرخ نيال فيرجسون، الذي اختلف بشدة مع هوبسباوم، لم يتردد في أن يقول عنه إن: «مواقفه السياسية لم تمنعه من أن يكون مؤرخاً عظيماً حقاً».

الناشرون العرب، الذين أحجم بعضهم عن نشر ترجمة أعمال هوبسباوم لمجرد أنها تقع في مجلدات ضخمة، فنحن في عصر يتحكم حجم الكتاب وليس قيمته في امكانية نشره، ربما تتاح لهم فرصة التكفير عما اقترفوه من حجب فكر هذا الراحل العظيم، حيث ستصدر مجموعة أعماله المنقحة في مارس المقبل، فهل يتاح للقارئ العربي أن يطالع بلغته جانباً من هذا العطاء الفكري الفريد؟