توجت الذكرى الثانية والأربعين لرحيل الزعيم العربي جمال عبدالناصر بالإعلان، أخيرا، عن اندماج أربعة أحزاب ناصرية في مصر هي «العربي الديمقراطي الناصري» و«الكرامة» و«الوفاق القومي» و«المؤتمر الشعبي الناصري» في حزب واحد، أطلق عليه اسم «الحزب الناصري».
لم يتردد بعض المراقبين في وصف هذه الخطوة بأنها تأخرت بأكثر مما ينبغي، بحيث إنها فاتتها اللحظة التاريخية، وبالمقابل رأى آخرون فيها «مشهدا تاريخيا» لا يمكن تجاهله، وسيكون له ما بعده.
الوزير المصري السابق سامي شرف أعاد إلى الأذهان أنه سعى إلى تحقيق اندماج الأحزاب الناصرية منذ عام 2001، بينما قال نظيره محمد فائق إن وحدة التيار الناصري باتت ضرورة حتمية، لا سيما في ضوء الواقع الذي فرضته ثورة الخامس والعشرين من يناير.
أيّاً كان الأمر، فإنه لا يمكن اعتبار هذه الخطوة تحركا سبقته الأحداث، ولا خطوة في اللحظة الحاسمة، إلا في ضوء ما يمكن أن يتركه الحزب الجديد من بصمة على أرض الواقع في مصر.
من الحقائق الثابتة أن تأخر اندماج الأحزاب الناصرية كل هذا الوقت يرجع، بصفة أساسية، إلى احتدام الخلافات بين النخب القيادية في هذه الأحزاب، وهي خلافات تضرب جذورها في أنه لم تتم بلورة رؤية فكرية واضحة تحقق ابداعا فكريا سياسيا يتفاعل مع الواقع المصري المعقد اليوم.
هذه المشكلة ليست وليدة اليوم ولا الأمس القريب، وإنما هي تضرب جذورها منذ البدايات المبكرة في تمييز الباحثين والدارسين بين عبدالناصر، كشخصية سياسية لها حضورها الكاريزمي الذي لا موضع للتشكيك فيه، وبين الناصرية كتأصيل نظري ومنهاج فكري فبينما حلق الرجل عاليا في التاريخ العربي، برهنت النظرية على تعثرها في التعامل مع الواقع، ليس منذ رحيل عبدالناصر عن دنيا الناس الفانين، وإنما منذ تلك الظهيرة الفاجعة في الخامس من يونيو 1967.
المخرج الحقيقي أمام الحزب الجديد هو أن يخرج مماحكات النخب ومكايداتها إلى الشارع المصري، ليعود إلى حيث بدأ، إلى العمال الذين يعانون شبح الجوع، وإلى الفلاحين الذين عرفوا للمرة الأولى في تاريخ هجرة الأرض التي طالما رووها بعرقهم ودمائهم، إلى أبناء الطبقة المتوسطة الذين طالت معاناتهم.
البداية الصحيحة للحزب الجديد هي من وسط الناس، من قلب الوقفات الاحتجاجية، من صفوف العمال المتراجعة التي لم تجد سلاحا تشهره إلا الإضراب، بعد أن طال تعرضها للظلم، فامتد عقودا لا يستهان بضراوتها، ومن قلب تجمعات الفلاحين، الذين أصبحت العملية الإنتاجية، في ظل الأسعار التي تفرض على محاصيلهم، ممارسة عبثية، هي والعدم سواء.
الخيار المطروح على الحزب الجديد هو العودة إلى البدايات الناصرية، إلى أوجاع الناس ومعاناتهم وأحزانهم، وإلا فإن البديل هو أن يصبح التيار الناصري بكامله تاريخا يستعاد بالأسى والحسرة.