لا يعرف الكثيرون، داخل مصر وخارجها، ما هو مجلس الدولة، ولا ما هي مهامه، على وجه الدقة، وما الذي يشكله بالنسبة للحياة المصرية العامة، تماما كما كانت الحال بالنسبة للمحكمة الدستورية العليا، إلى أن تسبب حكمها الشهير حول مجلس الشعب بإلقاء أضواء ساطعة عليها.

ببساطة بالغة، إذا كانت هناك صفة يمكن بها أن نوضح هوية مجلس الدولة في مصر، دون أن نقع في شبكة من التعقيدات والاصطلاحات القانونية، فإن هذه الصفة هي أن هذا المجلس هو الجهة القانونية المختصة بالنظر في المنازعات بين المواطنين المصريين وبين الحكومة، الأمر الذي يعني أنه بغير مجلس الدولة يصبح المواطنون المصريون رعايا، وليسوا مواطنين.

هذه الصفة الجوهرية للمجلس تبدو بالغة الوضوح في القضية التي رفعها عدد من المحامين المصريين، أخيرا، واختصموا فيها كلا من رئيس المجلس العسكري ورئيس الوزراء ووزيري المالية والتضامن ومحمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين ومحمد مرسي بصفته رئيس حزب الحرية والعدالة، من منطلق أن جماعة الإخوان المسلمين تمارس العمل السياسي والاجتماعي منذ الثلاثينات من القرن الماضي، في مخالفة لصحيح القانون، حيث إنها محظورة قانونا من قبل مجلس قيادة الثورة منذ عام 1954، ولم تصحح أوضاعها بما يتفق مع القانون المنظم للجمعيات الأهلية الصادر في 5 مايو عام 2002.

النظر في القضية، كما نعلم، مؤجل حتى التاسع من أكتوبر المقبل، وفي غضون ذلك يحتدم الخلاف بين مؤيدي الجماعة ومعارضيها.

المعارضون تنعكس آراؤهم فيما يطالب به المحامون الذين يقفون وراء القضية، أي حل الجماعة ومصادرة مقارها وأصولها المالية، وهم ينطلقون من التأكيد أنه طالما أن الجماعة هي التي تحكم مصر اليوم فمن حق المواطنين أن يعرفوا هويتها ومصادر تمويلها، ولا يترددون في القول إن الجماعة تسيطر عمليا على نصف الاقتصاد المصري.

المؤيدون، بالمقابل، يذهبون إلى القول إن القضية المرفوعة على الجماعة لا تقوم على شيء إلا على البغضاء والكراهية لها ولأعضائها.

وفي غضون ذلك، يصبح من حق الجميع إدراك جوهر ما يقف وراء هذه القضية، فهي في حقيقة الأمر تشكل اختبارا لما ستمضي عليه الحياة السياسية في مصر في المرحلة المقبلة.

في اعتقادي أن جوهر ما يريده المعارضون الذين يقفون وراء رفع القضية هو معرفة ما إذا كان بالإمكان فرض الرقابة الرسمية على الموارد المالية لجماعة الإخوان المسلمين، لأنه في حالة فرض هذه الرقابة، فإن ذلك يعني أن الجماعة يمكن بشكل ما أن تكون قوة سياسية ضمن قوى أخرى في مصر. أما إذا كانت المحصلة النهائية للقضية هي استحالة ذلك، فإن الاستنساخ الحاسم، الذي يفرض نفسه على الجميع، هو أن الجماعة تعتزم مواصلة العمل السياسي بحسبانها دولة داخل الدولة، أو بحسبانها دولة فوق الدولة.

ربما لهذا، على وجه الدقة، فإن نتيجة هذه القضية تشكل منعطفا بالغ الأهمية، يتابعه الكثيرون بمزيد من الحرص، لأنه يقدم لنا قراءة واضحة، تتحدى الخلط والغموض، في مستقبل الحياة السياسية في مصر.

وليس الغد ببعيد.