أُنزِل القرآن الكريم عربياً على قلب نبي عربي، وحملت الإسلام إلى آفاق الدنيا أيد وقلوب عربية، ويظل من أعظم سمات الحضارة العربية الإسلامية أنه تحت آفاقها أتيح لكل المسلمين، أياً كانت أصولهم، أن يساهموا في هذه الحضارة جميعاً، بغض النظر عن ألسنتهم وانتماءاتهم وجذورهم وأنسابهم.

لكل من يتطلع إلى المعرفة بالإسلام وتجلياته اليوم يصدمه التواضع الشديد لما يساهم به العرب في كل ما يتعلق بالحضارة الإنسانية بشكل عام، وبالحضارة الإسلامية على وجه التحديد.

هذه الخاطرة المؤرقة لم تفارقني لحظة في تأملي لـ «موسوعة غروف للفن والعمارة الإسلاميين»، التي أشرف على تحريرها الباحثان البارزان جوناثان بلوم وشيلا بلير، والتي تقع في 2144 صفحة تضمها ثلاثة مجلدات من القطع الموسوعي الكبير.

كل من أتيحت له الفرصة للاطلاع على «موسوعة جروف للفن» الهائلة، التي تقع في 34 مجلداً، يعرف أنها بمثابة الأب الذي انحدرت منه «موسوعة غروف للفن والعمارة الإسلاميين».

لقد عمد المعدان، بلوم وبلير، إلى نقل مادة الفن الإسلامي، التي تقع في الموسوعة الكبرى، وأضافا إليها كل المحتوى المتعلق بالإسلام والفن الإسلامي، بما في ذلك تجليات الفن الإسلامي، كما نراها في العمارة والأسلحة والدروع والحلي والمخطوطات وغيرها، وأضافا إليها مساهمات حديثة من كبار الاختصاصيين حول الفن الإسلامي.

هكذا، فإننا نجد أنفسنا، في نهاية المطاف، حيال موسوعة تقع في ثلاثة مجلدات تضم 1600 مادة بمشاركة 375 من كبار الباحثين الاختصاصيين، بالإضافة إلى 600 صورة وشكل إيضاحي ورسم ومخطط.

هذه الموسوعة هي، بكل المعايير، مساهمة شديدة التميز في إلقاء الضوء على كل ما يتعلق بالفن الإسلامي، وبقدر ما يسعد المرء لإنجازها، حيث تقدم للدنيا إيضاحاً علمياً وفنياً راقياً للفنون الإسلامية عبر ما يزيد على ألف عام، يحزنه الغياب العربي عنها.

أليس من المحزن حقاً أن هذه المساهمة القيّمة في التعريف بالفن الإسلامي لم تصدر عن عالمنا العربي، رغم أن فيه من الباحثين والاختصاصيين والدارسين من يمكنهم إنجاز مساهمات على هذا المستوى وأكثر؟

ما الذي ينقصنا لنقدم للدنيا عملاً في هذا المستوى؟.. هل هو العزم.. الإرادة.. الإمكانية.. الإدارة.. التخطيط؟.. أم ماذا؟

بأمانة شديدة، أنا لا أعرف، وليت من يعرف يبادر إلى إيضاح الإجابة لي، كل ما أعرفه أنه حتى هذه المساهمات الصادرة عن الغرب لا تجد من يهتم بها في عالمنا العربي اهتماماً حقيقياً، ولا من يقدمها للباحثين والدارسين والساعين إلى المعرفة، وخاصة الشباب منهم.

ويبقى السؤال المؤرق الذي يبحث عن إجابة ولا يبدو لها من أثر في الأفق: هل تواصل هذه المعرفة الغائبة عن آفاقنا العربية احتجابها؟