آخرهم كان الجنرال روبرت مود، الرئيس السابق لفريق المراقبين الدوليين في سوريا، قال إن نظام بشار الأسد أيامه معدودة، وكان رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان، ومن ثم وزير خارجيته داوود أوغلو، قالا بفمين ملآنين إن النظام السوري على وشك الانهيار، وإن الترتيبات جارية لما بعده.. وكان أيضاً البيت الأبيض عبر المتحدث باسمه، سبق الجميع إلى نبوءة "أيام نظام بشار الأسد معدودة". لكن كل هذه التصريحات لم تشر إلى فترة معينة تمكننا من البدء في العد.
غريب حقاً أن يرجح البيت الأبيض زوال بشار الأسد في أيام معدودات، وهو الذي يتعرض لهجمة داخلية شرسة عبر صحف تعد مقربة من وزارة الدفاع "بنتاغون"، تتهمه بالفشل في بناء قواعد استخبارية داخل سوريا، كما في ليبيا، لتأمين الأسلحة الكيميائية، خشية وقوعها في قبضة تنظيم "القاعدة" أو "حزب الله".
ونحن قد اعتدنا تصريحات أردوغان النارية ضد بشار الأسد منذ بداية تفجر الأزمة، حين زفر وزأر بأن تركيا لن تسمح بتكرار مجزرة حماة في سوريا، فردت كتائب الأسد بسلسلة مجازر، استخدمت فيها كل أنواع الأسلحة الثقيلة، من صواريخ ومدافع الدبابات والطائرات المقاتلة والمروحيات، وحتى ما قيل عن صواريخ "سكود"، ولم نر تركيّاً واحداً يتحرك من مكانه.
نحن وإن كنا اعتدنا هذا الوعيد في ظل موات معلن لجامعة الدول العربية، فإن مغامرة البيت الأبيض بإعلان بدء العد التنازلي لنظام بشار الأسد، وعلى أبواب الانتخابات الرئاسية الأميركية، هو غير المعتاد، اللهم إلا إن كانت الاتهامات الإعلامية لإدارة باراك أوباما بنقص المعلومات الاستخبارية، مجرد مناكفات انتخابية.
الأغرب هو تلازم نبوءات انهيار النظام السوري هذه، مع التحذيرات من قبل المنابر نفسها من مجزرة كبرى يعد لها هذا النظام ضد حلب، التي بدأت بالفعل مقاتلاته الـ"ميغ" تدك أحياءها، فكيف لنظام على وشك الانهيار أن يحشد كل هذه القوات في كل من دمشق وحلب؟
لا شك أن نظام بشار الأسد ما زال ممسكاً ببعض الأوراق؛ سهولة تحريك القطاعات العسكرية من جبهة الجولان والحدود مع العراق إلى المدينتين الكبريين في سوريا، مع توريط تركيا بلعبة تسليم المناطق الكردية الشمالية لميليشيات مناوئة لأردوغان، ثم سحب النخبة الحاكمة إلى مناطق الساحل العلوية، بالتزامن مع تقارير عن سحب حزب الله اللبناني قواته من الجبهة مع إسرائيل إلى الحدود السورية لتشكيل حزام ناري مع المنطقة العلوية، لكن الورقة المريبة كانت افتعال اشتباك مع الجيش الأردني على الحدود بين البلدين.
ربما التحليل الوحيد المتفائل غربياً، أن ما يقوم به النظام السوري حالياً هو لحظة التخبط الأخيرة قبل إطلاق رصاصته الأخيرة، لكن ما لم يترافق ذلك مع نشاط استخباري داخلي، من مثل التفجير الأخير لعصبة الأمن في دمشق، فإن هذه النبوءات تبقى في مصاف الأمنيات.
يبدأ العد العكسي الحقيقي للنظام الدموي في سوريا، لحظة إعلان شمال سوريا منطقة حظر طيران، هنا ستتصدع جبهته بانشقاقات كبرى تطال القصر نفسه، وتمكن الثوار من أسلحة فعالة لا بنادق مهترئة في أيدي شبان صدقوا وعود الغرب بأسلحة نوعية.. فتلقوا أجهزة اتصال!