لأول وهلة يبدو أن الشهر الكريم والقضاء المصري يعطيان الساحة السياسية المصرية، هذه الأيام، مهلة لالتقاط الأنفاس. ولكن الرؤية الأكثر عمقاً تؤكد أن الاحتدام لا يزال على حاله، وأن صراع التيارات المختلفة لم يتوقف لحظة. وهذا أمر طبيعي ومنطقي، ففي الحياة السياسية تعد الاستراحة، حتى وإن كانت استراحة محارب، ترفاً لا مجال له، وربما لا مبرر له أيضاً.

في اعتقادي أن هذه المرحلة من تطور العمل السياسي في مصر يمكن وصفها عن جدارة بأنها مرحلة الأسئلة الصعبة بامتياز.

وفي مقدمة هذه الأسئلة سؤال حاضر غائب ومؤرق طوال الوقت، وهو: أين قوى الشباب التي كانت بمثابة «البادي» أو الشحنة الأولية لانفجار ثورة الخامس والعشرين من يناير، الذي أطاح بنظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك؟

في معرض التصدي لهذا السؤال لا بد من تذكر أن هؤلاء الشباب لم يكونوا قوة سياسية منظمة وواضحة ومتبلورة، حقاً أن بعضهم كان منخرطاً في تنظيمات سياسية بعينها، ولكن اللحظة التاريخية التي جمعتهم كانت لحظة عفوية، إنه الحد الأدنى من التنظيم والحد الأقصى من الرفض لنظام فقد مبررات وجوده ولم يعد يملك إلا استمرارية من البطش والطغيان.

من الطبيعي أن يعود هؤلاء الشباب إلى القواعد الاجتماعية التي ينتمون إليها، في محاولة لبلورة تجليات تنظيمية، تعبر عن رؤيتهم وأفكارهم وتوجهاتهم، ومن هنا يأتي العدد الكبير للغاية من تنظيماتهم التي رأت النور، ولا تزال تشق الطريق إليه.

وليس من قبيل الصدفة أن يرتبط ذلك بحدوث شروخ وانكسارات في العديد من الأحزاب القائمة بالفعل، وفي مقدمتها حزب الوفد، على سبيل المثال.

ومن هذه الأسئلة ما يتعلق بحركة الإخوان المسلمين في المرحلة المقبلة، حيث يبرز السؤال عن سر التأخر، الذي لا يبدو مفهوماً ولا منطقياً في تشكيل الحكومة، ويرتبط به سؤال هو أقرب إلى قفزة في الظلام إلى الأمام: كيف سيعيد الإخوان تشكيل أجهزة الأمن، وخاصة في بيتها التقليدي العتيد: وزارة الداخلية؟

في اعتقادي أن العيون ينبغي أن تتابع، بمزيد من الحرص، الإجابة عن هذا السؤال الأخير، فهذه الإجابة تشكل الكيفية التي سنشهد من خلالها الحراك في الشارع السياسي في المستقبل في مصر، بل وقد أذهب إلى القول إنها تحسم ما إذا كنا سنرى انتخابات في المستقبل.. أصلاً.

هل توحي هذه الرؤية بالتشاؤم؟ ليس تماماً، فالتفاؤل والتشاؤم لا مكان لهما في الحياة السياسية، ولكن من المهم أن نتابع كيف ستتعامل جماعة سياسية لها تاريخ يمتد عبر ثمانين عاماً من المناورات السياسية من أجل البقاء مع الإطار الكلي الذي تجد فيه نفسها عندما تغدو في موقع السلطة.

وتتعدد الأسئلة الصعبة التي ستفرض نفسها في المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها السؤال الكبير عن آليات العمل الاقتصادي والتنموي في مصر في المرحلة المقبلة. ترى كيف سيتحرك بلد لا يزال أكثر من أربعين في المئة من أبنائه تحت خط الفقر؟

لقد كرر ممثلو التيار الديني في مصر القول إن لديهم خططاً جاهزة للعمل في هذه المجال. جميل، ولكن الكثيرين يأملون أن تكون هذه الخطط شيئاً أكثر من إحلال الأوليجارشية محل رجال أعمال عهد مبارك.