إن صحت أنباء حشود قوات حزب الله على الحدود مع سوريا، فإن الأمور تجري بالضبط كما يريده القابضون على مفاتيح اللعبة في الشرق الأوسط.

تشير هذه الأنباء إلى أن أعمال حفر خنادق وتحصينات عسكرية تجري بوتيرة متسارعة على هذه الحدود، فضلاً عن بطاريات الصواريخ ومختلف أنواع الأسلحة الثقيلة، وهو ما تزامن مع خطاب حسن نصر الله الأخير، والذي أعلن من خلاله قطيعة مع كل البدائل باستثناء نظام بشار الأسد.

كل المجريات والقراءات تشير إلى أن النظام السوري آيل للسقوط، فما الداعي لهذا الموقف من حزب الله؟ هل هو عاشق للمعارك السياسية الخاسرة مثلاً؟ بالتأكيد؛ لا.

الحزب جزء من معادلة إقليمية تضمه إلى إيران وسوريا، مع امتداداتها الدولية، الروسية تحديداً. هو لا يخطط سياساته منفرداً، بل يسخرها لمصلحة الصراع الأشمل في المنطقة، والذي في إطاره تسعى كل من طهران وموسكو إلى عرقلة وإرباك مخططات سقوط أنظمة "الممانعة" تباعاً، بدءاً من ليبيا فسوريا، بينما تتجه البوصلة إلى السودان.. حتى لا تصل عدوى "الربيع" مثلاً إلى إيران.

على هذا فإن تحركات الحزب على الحدود السورية، تزامنت مع تواتر الأنباء عن انسحابات بالجملة للطائفة العلوية في سوريا، من مناطق التماس كحمص ودمشق إلى الساحل، فضلاً عما تردد عن طيران الرئيس نفسه مع ما تبقى من مسؤولين وقيادات وضباط، إلى هذه المنطقة وبدء تحصينها عسكرياً، استعداداً لإغراق البلاد في حرب طائفية تستمر سنوات، وتحرق معها أركان الدولة السورية وسيادتها ووحدتها.

هذا السيناريو المرعب بالتأكيد، سيكون وبالاً على المنطقة برمتها، لكن الفلسفة "الشمشونية" لا تأبه لما بعد الطوفان، هي فقط تطلقه وتترك للقابضين على مفاتيح اللعبة محاولة صده.. فبديهي أن عدوى التفتت الطائفي والعرقي في سوريا ستنتقل إلى لبنان أولاً، ومن ثم إلى كل الدول المحيطة، ما يعني بالنسبة لمعسكر "الممانعة"، ضرورة التحوط جغرافياً وعسكرياً، عبر خلق منطقة محور لبنانية سورية بسيطرة حزب الله والعلويين، الذين لا يستهان لا بعدتهم ولا عددهم، بعدما تكشفت سياسات النظام التي سلمتهم مقادير وثروات سوريا برمتها.

على الطرف الآخر، تواصل واشنطن وتوابعها خطط إلهاء مجلس الأمن بـ"فيتوهات" روسية لا تسمن ولا تصيب أي حظ، باستثناء مضاعفة النقمة الشعبية العربية على موسكو، بينما على الأرض تدعم تعديل موازين القوى لمصلحة "الجيش الحر" لإسقاط النظام من الداخل، بعد تشتيت قوات الأخير على أكثر من جبهة، وإشعال دمشق كخدعة للسيطرة على المنافذ الحدودية وضمان توفير نقاط إمداد مستمر.

يبقى حزب الله.. فها هي التقارير الإعلامية بدأت منذ اللحظة، بالترويج لخطر داهم شعاره سيطرة الحزب على الأسلحة الكيميائية السورية، وعلى الفور تلقفت إسرائيل ما تريد وبدأت التلويح بحرب ضد الحزب، الذي لو صحت الأنباء الآنفة فسيخوضها بقوة مشتتة بين الجبهتين الإسرائيلية والسورية، في ظل فقدانه الجسر السوري الذي يحمل إليه إمدادات إيران.

إذن، المسألة لم تعد بقاء أو زوال نظام بشار، بل بقاء أو زوال سوريا بعده.