الذين دهشوا من البداية المبكرة، نسبياً، للتحرك الخارجي المكثَّف الذي يقوم به الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي، والذي استهله بالتوجه إلى السعودية للقاء خادم الحرمين الشريفين، ومن ثم استقباله في القاهرة وزيرة الخارجية الأميركية، قبل انطلاقه إلى إثيوبيا لحضور فعاليات القمة الإفريقية، لا بد أنهم برروا هذه الدهشة بأن هذه التحركات المكثفة باتجاه الخارج تأتي في وقت تحفل الساحة السياسية الداخلية في مصر بالصراعات، وتموج بالاضطرابات التي تفرض أن تكون لهذه الساحة الأولوية المطلقة.

لكن الحقيقة الأساسية في الحياة السياسية كما تنطلق مسيرتها في مصر هي أن أجندتك قد لا تكون بالضرورة ما تختاره وتؤثره، وإنما هي نابعة مما يمكن أن نسميه ما هو أقرب إلى طابع الأشياء، حتى ليوشك أن يكون حتمياً.

إن امتداد الحوار المصري السعودي، على أعلى المستويات، هو شيء يفرض نفسه، حتى ليغدو المدهش ليس حدوثه، وإنما «تأخره» حتى الآن.

وقائمة الاهتمامات والمصالح المشتركة بين الدولتين العربيتين الشقيقتين هي التي تفرض، بتعدد عناصرها وعمقها، لقاء على هذا المستوى، من المؤكد أن له ما بعده، فهو لا يعدو أن يكون الاستهلال القوي الذي ستتوالى منعطفاته.

وفي ما يتعلق بالحوار مع واشنطن، فكل من تابع تطور العلاقات المصرية الأميركية يعرف أهمية الحوار بين الجانبين في هذه المرحلة.

واشنطن تعهدها أبداً تتحدث بأكثر من لسان، فالكونغرس والبنتاغون يفضلان الحوار مع المجلس العسكري الأعلى في مصر، لأسباب أكثر من واضحة، والبيت الأبيض كشف خلال ثورة الخامس والعشرين من يناير عن قدر من الارتباك والتخبط، بدا مدهشاً للكثير من المراقبين، والخارجية الأميركية تواصل لعبة الحبال المفقودة التي أجرت في إطارها حوارات ممتدة مع الإخوان المسلمين، ربما كانت تعود إلى ما يزيد على نصف قرن. ومراكز البحوث الأميركية لها منظور مختلف عن هذا كله إلى حد التناقض.

وما أجرته كلينتون في القاهرة ليس إلا تنويعاً على لحن قديم بلغة مختلفة. أما الانطلاق المصري إلى القمة الإفريقية فهو استدراك تأخر طويلاً لجهد كان لا ينبغي أن ينقطع أبداً. ولعله يتجاوز أكثر من الأبعاد المراسيمية إلى ما هو في العمق حقاً. ولعله أيضاً يكون بداية لها ما بعدها حقاً.

وعلى الرغم من تأخر أصوات الداخل التي تعلو إلى حد الصدام، فإن التحركات الخارجية للقاهرة تستحق أكثر من متابعة وأكثر من تدقيق، لأن الكثير يتوقف على ما يمكن أن تصل إليه.