لا بأس أن نعود إلى الاعتقاد بأن "لا حق يضيع ووراءه مطالب"، ونحن نطالع تفاصيل تحقيق قناة "الجزيرة" بشأن حقيقة اغتيال الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، لكن الأهم أن لا نمر مرور الكرام على كم الأسئلة المثارة في هذه القضية، والتي تستوجب إجابات شافية، من مثل نموذج شرطة دبي الذي بقي هاجسا لقتلة المبحوح وحابساً لهم في إسرائيل.

لجنة التحقيق برئاسة توفيق الطيراوي، لا يمكن التعويل عليها حقا، ولا سيما أنها ابتدأت عملها بتصريح غريب للطيراوي، بأن "الجزيرة" تمتلك إمكانيات أكبر من لجنته.

باريس نفسها التي كانت هي من سلح إسرائيل بالمفاعل النووي "ديمونا"، الذي ربما انتجت فيه مادة البولونيوم التي قتلت عرفات، مطالبة بتفسير عبارة "سبب غامض" وراء وفاة الزعيم الفلسطيني، الواردة في تقرير مستشفى بيرسي العسكري، ولمَ انتبهت قناة إخبارية لمتعلقات الراحل الكبير وفحصها، وهو ما لم ينتبه له الخبراء الفرنسيون بكل ما يملكونه من أجهزة وعقول متطورة؟!

وها هو الخبير الفرنسي في معهد الحماية من الأشعة والأمان النووي، الطبيب جون رينيه جوردان، يكمل "الغموض الفرنسي" بإشاعته إشارات محبطة لما يمكن أن يتمخض عنه التحقيق الجاري، المتجه إلى أخذ عينات من رفاة عرفات.

يقول هذا الخبير، طبقا لصحيفة "ليبراسيون"، أن الفحص الفيزيائي لرفات جسد عرفات مستحيل، لأنه توفي منذ 2800 يوم، ومادة البولونيوم 210 القاتلة تختفي من الجسد بعد 138 يوما، مشيرا إلى معاناة البريطانيين الطويلة لمحاولة إثبات اغتيال الجاسوس الروسي ألكساندر ليتفيننكو بهذه المادة العام 2006.

كان يمكن لهذا الخبير أن يفت في عضد الباحثين عن حقيقة اغتيال أبوعمار، بعدما نجا من أكثر من 40 محاولة اغتيال إسرائيلية، فضلا عن عشرات التهديدات التي أطلقها أرييل شارون بقتله حين كان محاصرا في مقره "المقاطعة" في رام الله، لكن الدكتور جمال الدين إبراهيم، أستاذ علم السموم في كاليفورنيا ومدير معامل الطب الجنائي في لوس أنجلوس، يرجح اغتيال عرفات بجرعة كبيرة من البولونيوم، تعادل سميتها ربع مليون مرة غاز السيانيد القاتل.

الأهم هو أن العالم العربي المصري هذا دحض مزاعم الخبير الفرنسي، بالقول إن فحص رفاة عرفات يمكن أن يكشف بسهولة عن المادة التي تحول إليها البولونيوم المشع 210، التي تفقد نصف تركيزها بعد نحو 138 يومًا، إلى نظيرين آخرين هما بولونيوم 209 الذي يقل نصف تركيزه بعد 103 سنوات، ونظير آخر هو بولونيوم 208 ويفقد نصف تركيزه في عامين و11 شهرا، وتستمر هذه العملية لمئات السنين، إلا أن هذه النظائر تحتفظ بالصفات الكيميائية والفسيولوجية نفسها من حيث درجة السمية.

ويلفت الدكتور جمال الدين إبراهيم إلى ما هو أخطر: إمكانية تسميم عرفات ببكتيريا تدعى "البوتشيليزم" وتسبب شلل عضلات الوجه والفكين، والأخطر أن هذه الخطوة هدفها كان تضليل الأطباء الفرنسيين للانشغال بها عن وجود مادة البولونيوم القاتلة.

إذن، ليترأس الدكتور جمال الدين إبراهيم لجنة التحقيق، بدل الطيراوي الذي لا يمتلك إمكانيات محطة إخبارية!