ملفتة جداً محاولة زعيم كوريا الشمالية الجديد كيم يونغ إيل، إحياء تراث جده المرن كيم إيل سونغ، وتبديد صورة والده المتشدد كيم يونغ إيل الذي رحل في ديسمبر الماضي، والملفت أكثر هو أدوات الزعيم الشاب لدولة على حافة المجاعة، رغم تحالفها العضوي مع الجارة الكبرى الصين.

سلطت وسائل إعلام الدولة الشمولية المعزولة، الضوء على كيم يونغ إيل مع أطفال بلاده، وهداياه الإصلاحية الثمينة لهم: السماح بالمشروبات الغازية والهمبرغر!

من دون الالتفات إلى مخاطر هذه الوجبات السريعة، التي حولت أطفال الصين إلى مناطيد صغيرة، بعدما فتحت نافذة "رأسمالية" لاستقطاب مصانع ورؤوس أموال الغرب في شنغهاي.

يدرك هذا الشاب أن زمن الاستبداد ولى، وهو الإدراك الناجم عن تحوط كذا نظام في العالم، وفي مقدمها الصين، لما يحدث في العالم العربي، ومنع أخبار "الثورات" في وسائل إعلامها، لكنه نموذج يثبت مرة أخرى أن أنظمة عاشت قروناً واعتاشت على فلسفة التفرد وإلغاء الرأي الآخر، هي عاجزة تماماً عن التغير من الداخل، وتالياً ضرورة الصدام الاجتماعي الإحلالي.

ها هي تجربة السودان جلية ودليلاً: موجة التغيير التي تجتاح المناطق المأزومة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، لن تتوقف إلا بحلين، أولهما كسر الموجة أو سبقها.

في المغرب مثلاً، نجح النظام الملكي في سبق هذه الموجة بإصلاحات دستورية واسعة، دفعت بالمعارضة "الإسلامية" إلى واجهة الحكم، فكان أن خرجت مظاهرات ضد المعارضة نفسها، بينما في غير ساحة يتكرر ذات السيناريو الفاشل في محاولة كسر الموجة.

يبدأ السيناريو بتجمعات احتجاجية بسيطة تطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد، تقابل دوماً من قبل النظام بالقمع وقنابل الغاز، تزيد قليلاً في الجمعة التالية أحجام المجاميع المحتجة، فتقابل بخطاب سلطوي يتكرر دائماً: مندسون، متآمرون، جرذان، جراثيم، شذاذ آفاق...

إلى حين احتدام الصراع إلى مظاهرات عارمة وقمع أكثر وحشية، وهنا يحدث التمايز: في الأنظمة التي يكون هناك خط فاصل بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية (تونس، مصر)، يكون العسكر ضمانة وحدة البلاد ويزول النظام، بينما في الأنظمة التي بنت جيشها أيديولوجياً وطائفياً كجزء من السلطة السياسية (ليبيا، سوريا والسودان)، يندلع أزيز الرصاص وتسود حالة أشبه بالحرب الأهلية.

كسر الموجة ثبت فشله في أكثر من ساحة، ولا سيما أنه حمل معه مخاطر كسر الدولة برمتها، وبروز نداءات التقسيم أو تغيير النظام إلى فيدرالية، أو المطالبة بدويلات إثنية أو طائفية. وفي المقابل ثبت نجاح سبق الموجة، وتجنيب البلاد والعباد ويلات حاضر من المجازر ومستقبل من الثأر والانتقام.

غير أن سبق الموجة لا يكون بساقين ضعيفتين وإجراءات تجميلية سطحية، من مثل إباحة الهمبرغر أو إغراق الحركة السياسية بوعود ولجان إصلاحية، تحتاج إلى جرأة سياسية، والأهم اعتبار الوطن سابقاً على النظام، ومصلحة البلاد وصونها كما يرد في قسم اليمين الدستورية، أولوية لا تحتمل الجهوية والنظرة الضيقة التي تختزل الدولة في حديقة خلفية.