عندما نتحدث عن المواقف والمخاطبات، فإن أول ما يسكن القلب ويستقطب العقل هو ذلك الطيف من النثر المفعم بالمعاني والوهج، المرتبط باسم النفري، ولكننا لا نتحدث عنه هنا، وإن تمنينا، وإنما نتحدث عن مواقف الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي ومخاطباته، التي استقطبت الكثيرين، فمضوا يفصلون القول في كل ما يتعلق بها، من دلالات وإيماءات ومعان ومقاصد.
لكني لست أريد الانضمام إلى من تحدثوا عن إشارة الرجل إلى عودة المؤسسات المنتخبة، ولا إلى حرصه على أداء القسم رئيساً للجمهورية في أكثر من موقف وموضع، ولا تشديده على كونه قد أصبح مسؤولاً عن المؤسسة العسكرية المصرية، شأن كل مؤسسات مصر، ولا إلى الإيماءات الأولى إلى ما يتصوره ملامح أولى من سياسة مصر الخارجية في المرحلة المقبلة.
ما يعنيني ـ كما يعني الملايين من أبناء الأمة العربية ـ هو ما الذي سيفعله الرجل الذي شاء له قدره ـ أو قدرنا ـ أن يصبح أول رئيس مدني منتخب لمصر على امتداد تاريخها الطويل. لقد التزم الرئيس المصري المنتخب، خلال مراحل شتى من حملته الانتخابية إزاء القوى الوطنية بالتزامات عدة، بعضها معروف للكافة، وبعضها ظل العلم به وقفا على دوائر ضيقة تنتمي إلى النخبة السياسية.
ولأن هذه الالتزامات هي جزء من العمل السياسي للرئيس الجديد والحزب الذي ينتمي إليه، أو بالأحرى الجماعة التي ارتبط تاريخه بها، فإن السؤال البديهي هو: إلى أي حد سيتم الوفاء بهذه الالتزامات؟ الإجابة عن هذا السؤال ـ كما نراها ـ لا علاقة لها بحسابات الربح والخسارة، كما تتم تسويتها في الشارع السياسي المصري، وإنما لها علاقة وثيقة بمستقبل العمل السياسي في مصر.
وبما إذا كان سيغدو عملاً من أجل وطن، تتأهب الرياح أشرعة سفينته، أو سيعود عملاً من أجل جماعة، أمضت أربعة وثمانين عاماً من التضارب بين أيديولوجيتها وبين ممارستها على أرض الواقع السياسي.
ومن هنا نطرح مجموعة من علامات الاستفهام، التي لا شك في أنها تدور في أذهان الناس جميعاً، ليس في مصر وإنما في عالمنا العربي كله.
ترى كيف ستشكل مؤسسة الرئاسة في المرحلة المقبلة؟ هل ستحقق الوعود التي طرحت بشأن تمثيل أبرز عناصر القوى الوطنية فيها؟ أم أنها ستكون تجلياً آخر لما كانت عليه على امتداد الستين عاماً الماضية؟
على أي نحو ستشكل اللجنة التي سيعهد إليها بصوغ الدستور المصري الجديد؟ أي عناصر ستكون لها الأغلبية فيها؟ ما الذي ستعكسه من تيارات واتجاهات ومصالح؟ وهل ستكتب دستورا يعكس إرادة أمة أم يكون دفتراً يعكس مصالح جماعات وفئات؟ كيف ستتشكل الحكومة الجديدة؟ وما مقدار تمثيل التكنوقراط فيها؟ وأي نصيب للعقائديين تحت مظلتها؟ ما أولويات عملها؟
وكيف ستتعامل مع القضايا الأكثر تعقيداً وإلحاحاً في مسيرة العمل الوطني المصري؟ ما دور المؤسسة العسكرية المصرية في المرحلة المقبلة؟ ما بالضبط طبيعة علاقاتها بالدولة؟ ما طبيعة صلتها بالمجتمع؟ هل لا تزال منذ عام 1954 ترتمي على مستقبل مصر؟
هل لا تزال تدعي لنفسها الإمساك بناصية السلطة التشريعية؟ أم أن أوان المكوث في الثكنات قد آن حقاً؟ كل علامات الاستفهام هذه تظل الإجابة عنها بظهر الغيب. ولكننا ينبغي أن نكون مشاركين في صنع هذه الإجابة، لا أن نكتفي بتأمل المواقف والخطابات.