ما قاله روبرت فيسك الكاتب والصحافي البريطاني المخضرم، الذي عمل طويلاً ضمن دائرة مقربة من الرئيس الراحل حافظ الأسد لسنوات، لم يأت بجديد على المشهد السياسي المدمي في سوريا، لكن توقيته مهم جداً. تحدث فيسك عن صفقة يتم من خلالها تعويم الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم لعامين، في مقابل تسويات تضمن لروسيا احتكارها مد أوروبا بالغاز، وهي صفقة مذلة لشرعة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان، وللقيم التي بنيت عليها الأمم المتحدة وضوابط العلاقات بين الشعوب والدول المتحضرة.
لا غرابة في أن روسيا تستميت في الدفاع عن مصالحها هي، لا حلفائها من مثل بشار الأسد أو النظام السياسي القائم في إيران، ففي مقابل نحو 45 مليار دولار تحصدها سنويا من هذين الحليفين، تتحصل أيضا على أكثر منها من سلعتها الرئيسية (الغاز) المصدرة إلى أوروبا، وما يحمله ذلك من ورقة ضغط كبيرة على القارة الجارة. وما رفض النظام السوري السماح بمرور أنبوب الغاز القطري عبر أراضي سوريا إلى تركيا ثم أوروبا، إلا جزء من ثمار التحالف مع روسيا التي لا تتحرج من المجاهرة بإرسال شحنات مروحيات وقذائف تدك أحياء حمص وحلب وحماة وريف دمشق.
في جنيف تنعقد المساومات على الدم السوري، وكلها تتركز في عنق الزجاجة الخاصة بديمومة نظام بشار الأسد، في ظل إجماع قل نظيره من كل الأطراف المعادية والمساندة، على رفض التدخل العسكري الخارجي، وتالياً تختزل الجهود الدولية في الجانب السياسي فقط، وكأن الأزمة سياسية بحتة لم تصل إلى حافة حرب أهلية طاحنة تحصد يومياً العشرات
. الأغرب أن تعود المساومات إلى هذه النقطة، بعدما أعلنت غير عاصمة غربية من واشنطن إلى باريس وحتى أنقرة، عن أن الصراع الدموي في سوريا وصل إلى نقطة اللاعودة، فكيف عاد لدى هذه الدوائر السياسية إلى البدء؟
تضاف إلى ذلك عوامل داخلية في سوريا يستحيل معها الحل السياسي: النظام فقد السيطرة على معظم الأراضي السورية، وتنحصر "سلطته" في أرتال الدبابات والمروحيات التي تقصف عن بعد، من دون تحكم على الأرض، فضلاً عن الإعلان المسبق من كل من النظام والمعارضة لرفض الحوار، ولاسيما أن الرئيس الأسد أعلنها صراحة أنه رئيس الموالين له والمعارضة الموالية فقط، بينما تعجز المعارضة المسلحة، حتى لو فرض عليها ذلك، عن تخطي حاجز الدم الشاهق الارتفاع نحو أي صفقة سياسية.
على كل هذه الظروف تنبني المعادلة الدولية: جهود محصورة في المساومات السياسية، بينما أجهزة استخبارات المعسكرين الخارجيين المتصارعين في شوارع سوريا، تعمل سراً على تمكين حليفها الداخلي من القوة الكفيلة بسحق الخصم.
كل ذلك على أساس رسوخ الاعتقاد بأن الحل في سوريا من الداخل فقط، على أساس العلم اليقين، ورغم التحركات العسكرية التركية الاستعراضية المتواضعة، بأن أي صاروخ ينطلق على سوريا من الخارج سيشعل لهيبه المنطقة من غزة إلى جنوب لبنان فالعراق، وهو ما لا يريده أي من الأطراف الدولية.