الآن وقد انطلقت المشاعر إلى مداها، وارتفعت الأصوات إلى أقصاها، فقد آن الأوان، بعد الإعلان عن فوز دكتور محمد مرسي برئاسة مصر في انتخابات حرة ونزيهة ولا موضع للتشكيك فيها، لكي يصطف الشعب المصري كله وراء رئيسه وبدء العمل من أجل المستقبل، بعد أن أهدر عاماً ونصف العام في صراعات لا يملك أحد القول إنها كانت في خدمة مصر حقاً.

هذا المنعطف المهم يحمل معه دعوة واضحة إلى العودة إلى المؤسسات وإلى العمل في ظلها، لأن البديل هو فوضى عارمة، لا يقبل أحد بها، ولا مجال معها إلى التطلع إلى المستقبل.

الاصطفاف وراء الرئيس المنتخب والعودة إلى مؤسسات الدولة والالتزام بالقوانين ليس إلا الملامح الأكثر بروزاً في خارطة طريق يمضي بها الشعب المصري ومن خلالها إلى المستقبل.

أو هذا ما ينبغي أن يكون، لأنه اذا كان هناك من يرى مساراً آخر، فإنه في حقيقة الأمر يرى طريقاً آخر لمستقبل مصر لا يمر بالديمقراطية، التي ارتضاها الشعب المصري نهجاً وطريقة حياة، وإنما يمضي عبر الفوضى.

هذه المسيرة ينبغي أن تبدأ اليوم قبل الغد، والشعب المصري لا يملك رفاهية التأجيل، ولا يملك ترف العودة إلى المساجلات والنزاعات والصدامات، فهذا كله مرفوض من غالبية الشعب المصري، ولا يريده ـ في حقيقة الأمر ـ إلا أعداؤه.

هنا، بالضبط، تمتد أمامنا عدة حقائق تفرض نفسها بقوة:

 أولاً أن د. محمد مرسي ليس رئيس جماعة الإخوان المسلمين، وإنما هو رئيس المصريين جميعاً، وهو ينبغي أن يسلك ويتصرف ويتحرك بهذه الرؤية، ومن خلال هذه العقلية، وبأقصى قدر من الوضوح.

ثانياً، إن الحركة السياسية، كما عرفتها جماعة الإخوان المسلمين على امتداد ثمانين عاماً، ينبغي ان تفسح المجال لحركة من نوع مختلف، فالهدف الآن ليس الدفاع عن كيان جماعة طالما تعرضت للضغوط، وإنما هو الانطلاق ـ مع القوى السياسية الأخرى ـ لتحقيق أهداف وطن.

 ثالثاً، في غمار الفترة الأخيرة الممتدة بين جولتي الانتخابات، تعهدت جماعة الإخوان المسلمين للقوى الوطنية التي أيدتها بمجموعة واضحة ومحددة من الالتزامات السياسية، ومن المؤكد أن الوفاء بهذه التعهدات ينبغي أن يتصدر منهاج عمل الجماعة.

 رابعاً، من المحقق أن المعارضة ينبغي ان تنطلق من أنها جزء من الحركة الوطنية في مصر، وأن عملها بكل أبعاده ينبغي أن يكون في خدمة الوطن بأسره، وليس في خدمة مجموعة أو حزب أو تكتل.

خامساً، كثير من العيون في مصر وخارجها ستتابع عن كثب كل تصرفات المجلس العسكري الأعلى، من منطلق الحرص على أن تتسم حركته بالنبل، الذي شكل أبرز سمات تاريخ الجيش المصري على امتداده، وربما كان الانصراف النبيل إلى الثكنات هو الخطوة المنطقية بعد تسليم السلطة إلى الرئيس الجديد. أما التشبث بها، في إهاب آخر، فقد يفتح الباب لرياح سوء لا يريد لها أحد أن تهب على مصر.

إننا إذ نحتفل اليوم بتكامل الاستحقاق الانتخابي، لا نملك إلا أن ندعو الله أن تمضي مصر في مسيرتها، لأن نجاح هذه المسيرة هو نجاح للعرب جميعاً من الماء إلى الماء.